fbpx
ملف الصباح

المقري… جزائري بلغ أسمى المراتب في المغرب

والدته صانعة الحلوى عبدت أمامه الطريق للتقرب إلى الأسر الكبرى بفاس ودخول القصر السلطاني

وحده محمد المقري يعرف معنى “وراء كل رجل عظيم امرأة”. ووحده يعرف أن الفضل في بلوغه أسمى المراتب في دواليب التسيير المخزنية يعود إلى سيدة واحدة استثمرت علاقتها الواسعة مع عائلات الكبرى بفاس لتوجد لابنها موقعا تحت شمس القصر السطاني، مقربا ويدا يمنى لخمسة ملوك علويين.
فوالدة الحاج محمد المقري بن عبد السلام تمكنت بفضل إجادتها صنع الحلويات وشهرتها التي بلغت الآفاق في هذا المجال من تعبيد الطريق أمام الحاج المقري ليتقرب أولا من العائلات الفاسية ذات الارتباطات الأخطبوطية بدوائر المال والجاه والنفوذ، وثانيا التقرب من المطبخ الحقيقي والفعلي لصنع القرار السياسي والاقتصادي.. أي القصر السلطاني في عهد الملك عبد العزيز في مرحلة أولى والسلطان عبد الحفيظ في مرحلة لاحقة.
محمد المقري، الذي تذكر بعض الروايات التاريخية أنه عمر قرنا و15 سنة، هو واحد من ثلاثة إخوة للحاج عبد السلام المقري، والده، الذي كان بدوره ثالث إخوته من والده محمد الذي استقر بفاس في الحقبة التي كان فيها السلطان إما سليمان أو عبد الرحمان (الروايات تتضارب في هذا الصدد). وتذكره بعض الروايات كذلك تحت اسم “الحاج المدني”.
الحاج محمد، الجد، هاجر من تلمسان، حيث ولد سنة 1807، كما هو وارد في موسوعة “معلمة المغرب”، إلى المغرب حيث استقر وخلف ثلاثة أبناء، كان أكبرهم تاجرا بين المغرب ومصر، والثاني عالما ومدرسا بالقرويين، وآخرهم عبد السلام (والد المقري الصدر الأعظم الذي قضى أطول فترة حكم في تاريخ المغرب المعاصر).
والد المقري التحق بالمخزن في بداية عهد السلطان الحسن، ومع مرور السنوات ارتقى فصار نائبا مكلفا بالأملاك المخزنية بفاس، ثم مشرفا على الأملاك والبناءات المخزنية والسلطانية، لكن زوجته (والدة المقري) كان لها الفضل في تمهيد الطريق لزوجها، ثم ابنها لاحقا، للتقرب من الدوائر حيث يمكن للمرء أن يخطو أولى خطوات سلم الارتقاء الاجتماعي لبلوغ مراتب الوجاهة والنفوذ.
الروايات ذاتها تقول إن الحاج عبد السلام استثمر كذلك خدمته المخزنية وممارسته التجارة لتدعيم مكانة أسرته في المجتمع المغربي. الجهود التي بذلها الوالد واصلها الأبناء الثلاثة، خصوصا الحاج محمد، الذي استطاع خلال فترة قصيرة قضاها مساعدا لأبيه في الإشراف على بناءات السلطان، أن يتقلب، في عهد السلطان عبد العزيز، بين عدة مناصب، كما مارس عدة مهام ذات طابع دبلوماسي والسياسي.
والحاج محمد ارتقى في عهد السلطان عبد الحفيظ، الذي وقع وثيقة الحماية الفرنسية، إلى وزير مكلف بالمالية قبل أن يتولى بصفة رسمية سنة 1911 زمام الصدارة العظمى. الحاج محمد، الجزائري الذي فر جده من مضايقات البايات العثمانيين في الجزائر ليعبر الحدود إلى الأراضي المغربية التي ظلت في منأى عن الهيمنة العثمانية قبل أن تسقط في يد الاستعمار الفرنسي والإسباني، عمل جاهدا لتعزيز مكانته ومكانة عائلته، إذ دفع بأبنائه إلى شغل مناصب المسؤولية.
واحتل هؤلاء مواقع حيوية في الجهاز المخزني. فابنه الحاج حماد شغل منصب باشا فاس بين 1910 و1912، وتولى ابنه الثاني الطيب الإشراف على ماكنة السلاح (مصنع الأسلحة) بفاس كذلك قبل أن يرتقي ليصير مشرفا على وزارة المالية رغم أنه كان غرا صغير السن، أما ابنه الثالث الحاج المختار فعين باشا على مدينة طنجة، ثم أمينا على الديوانة بالمدينة نفسها، أما الابن الرابع الحاج الطاهر فمنحه منصب أمين الديوانة (المصالح الجمركية) بالدار البيضاء، وحده التهامي، الابن الأخير للمقري، اختار أن يواصل مشواره التعليمي ليصبح مهندسا زراعيا.
بهذه الأساليب تمكنت عائلة المقري الجزائرية من الاندماج في المجتمع المغربي وارتقاء سلم مناصب الوجاهة ومواقع النفوذ فيه، حتى صار ابنها الحاج محمد الحاكم الآمر طيلة فترة ما قبل الحماية، وهو نفوذ سينكمش لفترة محدودة (ما بين نونبر 1913 وشتنبر 1913) قبل أن تشتد شوكته من جديد بعدما حظي بثقة المقيمين العامين والجنرالات الفرنسيين. الروايات التاريخية تؤكد أيضا أنه بفضل “مرونته ودهائه واستعداده للتعاون مع الإقامة العامة احتل مواقع متقدمة وتمكن من الاحتفاظ بمنصب الصدر الأعظم قرابة نصف قرن من الزمن”.

صدر أعظم وصلاحيات أوسع

تجمع معظم المصادر التاريخية التي تناولت الحقبة التي كان فيها الحاج محمد المقري صدرا أعظم (بمثابة رئيس الحكومة أو رئيس الوزراء) على أن هذا الجزائري، الذي تسلق سلم الارتقاء الاجتماعي بسرعة كبيرة وخاطفة، كان يجمع بين يديه صلاحيات واختصاصات واسعة لم يكن ربما يتوفر عليها حتى الملوك الذين عاش وحكم في ظلهم.
“غي ديلانُوي” المؤرخ الفرنسي، الذي ولد في مدينة مازغان (الجديدة حاليا) وترعرع فيها، يؤكد هذا المعطى في كتابه
(Lyautey, Juin, Mohamed V: fin d’un protectorat) أن الحاج المقري، والذي طالما لقب نفسه بـ De Blesson، كان على استعداد تام للتعاون مع الفرنسيين إلى أبعد الحدود، وهو ما شجعهم على منحه ثقة كبيرة وصلاحيات أوسع.
ديلانُوي يروي على سبيل المثال، أن الحاج المقري يوم 13 غشت 1953، أي مع دنو نهاية عمره السياسي، تم منحه مزيدا من الاختصاصات؛ كأن يشكل مجلسا مصغرا يضم وزيرين والكاتب العام للإقامة العامة الفرنسية والمدير المكلف بالشؤون الإدارية والمالية في الداخلية، ليتخذ القرارات والتدابير التي من شأنها ضبط الأوضاع وحماية مصالح الإدارة الإمبراطورية (أي الإقامة العامة).

تجريده من ممتلكاته ومواطنته

مباشرة بعد عزل ابن عرفة (الذي تولى الحكم في الفترة التي نفي فيها محمد الخامس) وتشكيل حكومة امبارك البكاي في نونبر من سنة 1955، اتضح أن فترة الحاج محمد المقري الذي حكم بأمره طيلة عقود من الزمن بدأت في التواري لتفسح المجال أمام رموز ما سيعرف لاحقا بالاستقلال، وكذلك الحكومات التي يقال إنها جاءت لتمثيل الشعب وليس القوى الاستعمارية.
ما سمي آنذاك بالوطنيين لم ينسوا للمقري دوره في تثبيت ركائز الاستعمار الفرنسي بالمغرب، واستمراره في لعب هذا الدور حتى في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية بعد اشتداد الصراع بين رموز ما سمي الحركة الوطنية والسلطات الاستعمارية، ومشاركته في ما سمي أيضا مؤامرة خلع ونفي محمد الخامس في غشت من سنة 1953، ودوره في الترتيبات والأحداث المرتبطة بمحادثات “إيكس ليبان” وتأسيس مجلس العرش.
ولم يغفروا له الموافقة على قرار السلطات الاستعمارية تعيينه عضوا في هذا المجلس (في أكتوبر 1955)، لأنه اعتبر أكبر ممثلي المخزن المناوئين للحركة الوطنية، هذه الظروف اتحدت واجتمعت لتعصف بالعرش الذي بناه الجزائري ابن مدينة تلمسان، فتم، بعد انحسار الدور المباشر للفرنسيين في الشأن الداخلي المغربي، إبعاده عن القصر، ولم يقف الأمر عند ذلك بل تعداه إلى تجريده من كل أملاكه وممتلكاته وكذلك أسقطت عنه المواطنة المغربية… ولم تمر إلا بضعة أشهر عن هذه الوقائع، التي تسارعت بسرعة ارتقائه، حتى ودع المقري هذه الدار إلى دار البقاء.

محمد أرحمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى