fbpx
حوادث

دراسة في القانون: القضاة الجدد بين المطرقة والسندان

الجانب المالي مهم جدا في تدعيم حصانة القضاة

في وصية المغفور له الملك الحسن الثاني في أحد خطاباته الشهيرة، أكد على ضرورة أن يكون القضاة  بمنأى عن كل ضغط لأنه «كاد الفقر أن يكون كفرا» مضيفا أنه «لا يمكن أن نقول للقاضي كن في اللهب ولا تحترق أو نقيد يديه ونقول له إياك أن تبتل بالماء».

إذا كان من الصعب على الجهات المختصة التعجيل بتحسين الأوضاع المادية للقضاة طبقا لما جاء في الخطاب الملكي السامي بتاريخ 20 غشت 2009، فعلى الأقل يتعين على هذه الجهات السهر على تمكين القضاة الجدد من رواتبهم في آجال معقولة حتى لا يتم تكرار مأساة أفواج سابقة من القضاة تأخر صرف رواتبهم لمدة تقارب السنة دون أدنى تبرير أو شرح لسبب هذا التأخير المتكرر، إذ لا يمكن أن نلزم القضاة في جميع الأحوال بالتحلي بأعلى درجات الحياد والوقار الذي تفرضه عليهم مهامهم الجليلة وندفع بهم في المقابل ولو بشكل غير مباشر للعيش تحت تأثير ضغوطات مختلفة مهما كانت أشكالها .
إن تحسين الأوضاع المادية للقضاة لا يحتاج ندوات ومناظرات للخروج بتوصيات حول نقطة لا تحتاج في الأصل أي حوار أو نقاش لأنها تدخل ضمن البديهيات، ولأنها حسمت وقبل عدة سنوات وإنما يحتاج إلى إرادة حقيقية في الشروع الفعلي في الإصلاح وهو ما يبقى محل تساؤل أمام التعطل المستمر الذي يعرفه هذا الموضوع، الذي أضحى يبعث على كثير من القلق بل والأسف أيضا حسبما أكده رئيس نادي قضاة المغرب شخصيا بقوله «من المؤسف أن يطالب القضاة بتحسين أوضاعهم المادية في زمن الحوار حول إصلاح منظومة العدل».
إن الملاحظات نفسها يمكن تسجيلها أيضا على مستوى دور الدولة في دعم وتأطير القضاة المتخرجين حديثا من المعهد العالي للقضاء، إذ يبدو أن الدولة تخلت عن واجباتها بخصوص القيام بهذا الدور، فالقاضي وبمجرد تسلمه قرار التعيين الذي يمضيه وزير العدل ويطالبه فيه بالالتحاق بمحكمة التعيين فور تسلمه القرار المذكور يجد نفسه وحيدا أمام واقع مجهول مرده غياب أدنى بنيات الاستقبال التي تضمن قيام القاضي بدوره وإحساسه باستقلاليته أو أنه يمثل سلطة يفترض أنها مستقلة، فلا وجود لسكن وظيفي ينتظره إلا في حالات نادرة ولا حديث عن إمكانيات تكفل قيامه بأدواره إن كان ممثلا للنيابة العامة مثلا.. لا من وسائل للنقل للقيام بمهمة مراقبة مخافر الشرطة ومراكز الدرك الملكي أو تتبع أحوال السجناء أو الأحداث، ولا من خط هاتفي لإعطاء التعليمات اللازمة للشرطة القضائية، وحتى بالنسبة لظروف الاستقرار في أغلب محاكم التعيين فإنها تحتم على القضاة الجدد التنازل عن بعض من وقار المهنة الذي اكتسبوه نظريا عبر سنوات التكوين بالمعهد والاختلاط بالسماسرة بحثا عن سكن لائق بأجرة منخفضة تتناسب مع الوضعية المادية جد المتردية، ولما لا الاستدانة والاقتراض أيضا من أجل شراء بعض أدوات التجهيز المنزلي التي تضمن الحد الأدنى للعيش الكريم في انتظار صرف كامل مرتبه بعد أشهر لدفع الديون المترتبة لجمعية الأعمال الاجتماعية نظير إقامته خلال فترة التكوين بالمعهد العالي للقضاء والتي تلاحقه لمدة سنوات.
إن الجانب المالي مهم جدا في تدعيم حصانة القضاة لإبعادهم عن أي إغراءات ولتجنيبهم مذلة السؤال، خصوصا عند بداية مشوارهم المهني كما أن التعامل مع القضاة على أساس المنزلة الكبيرة التي أولاها لهم الدستور باعتبارهم مسؤولين عن حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، فضلا عن تطبيق القانون مع استحضار خصوصية وخطورة عملهم الذي يجعلهم أعداء لنصف المجتمع، إن عدلوا حسب ما تؤكده المقولة المأثورة .. كل ذلك يتطلب أن تكون هناك بنيات أساسية وإجراءات معدة سلفا لاستقبالهم، أهمها التعجيل بصرف مستحقاتهم المادية، ثم توفير السكن الضروري واللائق والملائم لطبيعة عملهم.. وهنا لا بد من التساؤل عن أسباب عدم تفعيل السكن الوظيفي للقضاة بالرغم من أن الوزارة الوصية تعكف على بناء عدد من مقرات المحاكم الجديدة وقصور العدالة الحديثة وترصد لهذه الغاية إمكانيات مادية هامة، إلا أنها لا تواكب هذه المشاريع بخلق وحدات للسكن الوظيفي، التي قد تسهم في تجنيب القضاة أزمة السكن الخانقة التي يعيشها عدد كبير منهم.
إن الاهتمام بتوفير بعض البنيات الأساسية للقضاة ومنها السكن الوظيفي ووسائل النقل الخاصة من شأنه حل العديد من المشاكل التي تواجه القضاة عند التحاقهم بمحاكم التعيين، كما قد تساعد على تفعيل المقتضيات القانونية التي تلزمهم بالإقامة داخل مقرات المحاكم التي يزاولون بها مهامهم مما قد يسهم لا محالة في زيادة مردوديتهم وتحسين ظروف اشتغالهم وبالتالي تحقيق النجاعة القضائية المنشودة.
وهنا لا بد لجمعية الأعمال الاجتماعية لقضاة وموظفي العدل من القيام بالأدوار المنوطة بها من خلال الدعم الفعلي والحقيقي للقضاة على المستوى الاجتماعي، وعوض صرف جانب من المداخيل في تغطية نفقات بعض الندوات أو المناظرات التي قد تدخل ضمن الترف الفكري بالنظر إلى ضعف مردوديتها فإنه كان حريا بها إعطاء مزيد من الاهتمام للجوانب ذات الأولوية وأهمها السكن، بالاستثمار في خلق بنيات سكنية لاستقبال القضاة الجدد وتحسين ظروف اشتغالهم وتمكينهم من إمكانية التوفر على وسائل خاصة للنقل أو عقد شراكات لتدعيم هذا المجال قبل الاهتمام بمراكز الاصطياف والترفيه.
لقد أولت الدورة الأولى للمجلس الوطني لنادي قضاة المغرب المنعقدة بالمعهد العالي للقضاء بالرباط يومي 26 و27 نونبر 2011 أولوية قصوى لوضعية الملحقين القضائيين والقضاة المعينين حديثا، وكان من بين أهم توصياتها ضرورة ضمان مجانية السكن والتغذية لكافة القضاة المتدربين من أجل تجنيبهم سلبيات الوضعية الراهنة التي تؤثر على الأوضاع الاجتماعية للقضاة بعد تخرجهم بسبب الاقتطاعات التي تمس أجورهم لفترة طويلة.
وفي السياق نفسه، ومن أجل الإسهام في تحصين القضاة المتخرجين حديثا وتجنيبهم مذلة السؤال أو الدخول في علاقات مديونية قد تمس أو تؤثر بشكل أو بآخر في عملهم، فإن نادي قضاة المغرب اقترح أيضا ضمن ملفه المطلبي المستعجل منح القضاة الجدد مبلغا جزافيا قدره 60000 درهم دفعة واحدة بمجرد التحاقهم بمقرات عملهم لمواجهة التكاليف الأولية اللازمة لاستقرارهم في محكمة التعيين والحفاظ على الوقار الذي تفرضه طبيعة المهنة.
وإلى حين التنزيل الفعلي لكل الوعود التي قدمت عبر تاريخ الإصلاح القضائي بالمغرب، قبل أن يتطور إلى مشروع لإصلاح منظومة العدالة برمتها،
 يبقى القضاة الجدد وأمام غياب أدنى بنيات الاستقبال الضرورية، بين مطرقة متطلبات المركز الاجتماعي والوضع الاعتباري الذي تفرضه رسالتهم، وسندان الواقع المرير، يعيشون حياة من الازدواجية قد تصل إلى حد الفصام، كل ذلك بسبب الهوة الشاسعة بين ما هو كائن و ما ينبغي أن يكون.

بقلم:  أنس سعدون, عضو نادي قضاة المغرب بأزيلال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق