fbpx
خاص

فاس تسترجع جذورها الأندلسية

أنا مورا تتحف الجمهور بروائع الفادو

بنخوة الأرستقراطيين وبصوتها القوي، غنت البرتغالية أنا مورا، عينات من فن “الفادو” حاملة جمهور المتحف في سفر روحاني مشحون بالحزن والحسرة، في ليلة هادئة عاشت فيها دارا عديل والمقري، عرسهما على إيقاع تراتيل عريقة من مملكة بهوتان تخفت في “باروك الرحل”.

بعد أقل من شهر على إحيائها حفلا ساهرا بمسرح محمد الخامس بمدينة الرباط ضمن الدورة الثانية عشرة لمهرجان موازين، عادت المغنية البرتغالية الشهيرة أنا مورا أو “أميرة الفادو الجديدة” كما يلقبها المتتبعون، إلى المغرب لتحيي حفلا آخر بمتحف البطحاء بمدينة فاس ضمن فعاليات الدورة التاسعة عشرة لمهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة. مرفوقة بأنجيلو فريير وبيدرو سواريس وأندري موريرا، عازفي الغيتارة بصنفيها، أتحف هذا الصوت البرتغالي القوي، جمهورا قدر بالمئات حضر إلى المتحف في ليلة مغرية بهدوء كسرته موسيقى حماسية تمتح من ينابيع الفادو كنوع موسيقي برتغالي بامتياز، ظهر في أواخر القرن التاسع عشر بلشبونة واحتضنته الطبقة البورجوازية قبل انتقاله للفئات الشعبية.
بنخوة طبقة المجتمع الراقية وقفت أنا مورا بلباسها الأسود الجميل، شامخة تحت شجرة البلوط الخالدة، صادحة بأغاني ريبرتوارها الضارب في تقليديته، حيث تمتزج شكاوي “الصوداد” الرخيمة والنوستالجية الشاهدة على تقلبات الوجود، بالأشعار الدينية القديمة المستحضرة للموت والحياة وما بينهما من حب.
دخولها إلى الخشبة سبقته وصلات موسيقية أبدع فيها ثلاثي الغيتارة، بشكل صفق له الجمهور طويلا، قبل أن تلوح صورة أنا قادمة من عمق هذا المتحف، على إيقاع التحية والثناء على فنانة تمتلك حسا رومانسيا وتراجيديا بالفادو، هذا الفن المتجدر في لشبونة.
اجتهدت فنانة الفادو الذي دخل الخمارات بما تدخره من استعذاب كئيب للماضي والأمل والحسرة، في إيجاد العبارات الدارجة لتحية جمهور استقبلها بعبارة “السلام عليكم”، وحيتهم على طريقتها بالعربية والفرنسية، قبل أن تشرع في أداء ما بجعبتها من أغاني تستمد ينابيعها من ألحان قديمة لدى العبيد الأفارقة البرازيليين، وتهتم بالشوق والحنين والفراق والفقدان.
صوت جهور وقوي وأداء متميز تجاوب معه الحضور بشكل لافت، ناسيا ما عاناه قبل من طول انتظار دخوله إلى هذا الفضاء الرحب والجميل الراقد خلف أسوار شامخة، ووقوفه على طول الشارع في طوابير طويلة على غرار ما حدث مع حفل سابق احتضن فيه المكان مجموعة الكوسطو الجزائرية، أمام تعقد إجراءات عطلت الدخول أكثر من اللازم.  
هذا الحفل كان مناسبة لجمهور مهرجان فاس، لاكتشاف فن الفادو كظاهرة حضارية نشأت في القرن التاسع عشر من طبيعة مهجنة أدخلها البحارة، الذي أصبح بعد 1870 وبفضل المغنية المرموقة “سيفيرا”، حكرا على الطبقة الأرستقراطية المولعة بهذه الفورة الشعرية، قبل أن يصير في الستينيات ملكا لكل أفراد الشعب، بفضل المغنية الشهيرة فاديستا أماليا رودريغيث.    
وتغنت النسوة بالبرتغال بهذا اللون الغنائي الذي تميزه آلة الغيتارة البرتغالية التي تشبه إلى حد كبير العود العربي وتحتوي 12 وترا، بلشبونة تعبيرا عن حنينهن وحزنهن على فراق أزواجهن الذين يركبون البحر لفترات طويلة، فيما جعلت منه أنا فرصة للتمازج والانصهار مع جمهور ذواق استقبلها وودعها بحرارة.

إعداد: حميد الأبيض (فاس)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق