fbpx
مجتمع

متشردون في جحيم الصقيع وكورونا

يفترشون الأرض في عز البرد وينتظرون التفاتة من الحكومة

الساعة التاسعة والنصف ليلا. دقائق بعد سريان حظر التجول الليلي في زمن كورونا، بالمدينة القديمة وشارع أنفا والحي الحسني وليساسفة وعين الشق وغيرها من مناطق العاصمة الاقتصادية والمحمدية، توجد أجساد تفترش الأرض وتلتحف السماء في ليلة باردة، تتقلب ذات اليمين وذات الشمال بحثا عن نوم للهروب من مشاكل نفسية وبرودة طقس تجعل المتشردين يرتجفون.

“كاينة ظروف”…
«لم أختر الشارع لكنه من احتضنني عندما تخلى عني البشر”، …عبارة نطق بها كمال، أحد المشردين بالحي الحسني، لكنها تلخص حجم الإحساس بالدونية من مجتمع لا يرحم، بعدما وجد نفسه وحيدا يصارع البقاء في الشارع، معتمدا على نفسه، عوض انتظار تحركات الحكومة التي تبقى محتشمة وغير كافية مقارنة مع ارتفاع حالات التشرد.
وأضاف المتحدث العشريني في حديث مع “الصباح”، وهو يغالب دموعه “في ظل ظروفي المأساوية، أعتبر نفسي حيا ميتا، ولم يعد لي مطمع في المستقبل ولا الاستمتاع بمرحلة الشباب كباقي أقراني الذين منهم من يتابع دراسته ويشغل مركزا مهما في المجتمع”.

وحول سبب عيشه بالشارع وما يرافقه من مخاطر هلاك الصحة وتهديدات جانحين، كشف الشاب العشريني أن خروجه من بيت الأسرة لم يكن حبا في “التشرد” وإنما بسبب سوء تفاهم مع زوجة الأب، جعله يغادر البيت الذي ازداد وتربى به، معتبرا أنه بعد وفاة والدته وزواج أبيه من امرأة ثانية بدأت المشاكل الأسرية تطفو على السطح، وهو ما دفعه إلى ترك الجمل بما حمل، مضحيا بنفسه لأجل استقرار أسرته ومستقبل أشقائه الصغار.

ورغم استعماله لمواد كحولية لنسيان برد قارس وما يجري بالعالم، فإن كمال أكد أنه لا يعتبر نفسه «منحرفا» بقدر ما هو ضحية، موضحا أن استعماله ل «السيليسيون» مرده الرغبة في مقاومة برد قارس ومشاكل نفسية تطارده حينما يفكر في الوضعية التي آل إليها بسبب ظلم ذوي القربى. ولم يفت المتحدث نفسه التعبير عن متمنياته في انتشاله من وضعيته المزرية، عبر اعتماد مراكز خاصة تهتم باستقبال المتشردين والعناية بهم، بالأكل والملبس وتقديم مساعدات نفسية تؤهلهم للانخراط في المجتمع وبناء حياة جديدة.

مصائب إدمان
لم يكن يدور بخلد «با العربي» أن يؤدي به الإدمان على الكحول إلى التشرد بالشارع، بعد أن عجز عن إقناع نفسه بالإقلاع عنه، تجنبا لمشاكله المترتبة عن عودته إلى المنزل في حالة سكر طافح.
وكشف «با العربي» أنه أصبح يعيش حياة التشرد منذ ثلاث سنوات، مشيرا إلى أنه متزوج وأب لشباب، إلا أنهم تخلوا عنه نتيجة عدم قدرته على العيش بدون كحول، موضحا أن حياة الشارع رغم قساوتها إلا أنها تترك له هامشا من الحرية وفيها يجد عطف أناس لا يعرفهم وآخرين جمعهم به» نادي التشرد”.
وفي ظل قساوة الجو لجأ «با العربي»، كما يحلو لزملائه المتشردين مناداته، إلى حيلة تدفئة يديه بنار أشعلها في محاولة منه للهروب من برد قارس، أنهك صحته، رغم ارتدائه معطفا، جاد به عليهأحد سكان حي الحسني.

الرصيف أرحم
في زاوية مظلمة بالمحمدية، تظهر شابة عشرينية مستلقية على سرير متسخ. مع الاقتراب منها تحس بارتباك واضح يترجم توجسا دائما من مخاطر حياة الليل بالشارع، قبل أن تكشف عن هويتها “جئت من البادية إلى المحمدية للعمل خادمة بالبيوت، ظنا مني أنني سأنجح في تحسين وضعية أسرتي، قبل أن أتعرض للطرد من قبل مشغلتي، ومع اليأس الذي انتصر علي وجدت نفسي متشردة بين الأزقة والشوارع، وحاملا بعد تعرضي للاغتصاب من قبل جانحين”.
وأضافت وهي تحكي بصوت خافت، “حياتي أصبحت مملة إنها تتكرر بشكل روتيني، ففي الصباح أستيقظ بحثا عن فرصة للأكل حتى لو اضطررت لالتقاط فضلات القمامة، وفي أحيان أخرى أستعطف المارة وزبناء المطاعم لعل قلوبهم ترق لحالي، وهو ما أنجح فيه بعض المرات لأعود إلى مكاني بالليل استعدادا للخلود إلى النوم بعيدا عن مشاكل وصراعات بعض أبناء الشارع”.
وختمت الشابة مريم (اسم مستعار) حكايتها الحزينة بالقول “الرصيف أرحم من البشر ومن مشاكل الأهل والمال، رغم برودة الجو وتداعياتها على صحة جنيني، إلا أنني أحاول الاستعانة بأغطية بالية وعلب الورق المقوى وسرير جاد به بعض فاعلي الخير لقضاء ليلي، في انتظار بزوغ فجر جديد لا يختلف عن سابقيه”.

شبح الوباء
«مع هاد البرد ما كنتسوقوش لا لكورونا لا لغيرها، الأهم هو نتغطاو مجموعين حيت ماكاينش البديل”، “واش كاين شي خطر كثر من هاد البرد اللي عايشين فيه ليل ونهار”، من بين العبارات التي صرح بها سعيد القادم من آسفي إلى المدينة القديمة، بعد أن أخرجته الظروف إلى الشارع.ويلجأ سعيد وباقي رفاقه المتشردين إلى التجمع في ما بينهم، وهي العملية التي يهدفون من رائها إلى التدفئة واتقاء شر البرد القارس، إلا أنهم لا يدرون أنهم يعرضون حياتهم لخطر عدوى فيروس كورونا القاتل.

محمد بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى