fbpx
افتتاحية

خونة الداخل

ما حدث بالبيضاء، الأسبوع الماضي، بشعٌ بكل المقاييس، ولا يمكن لاجتماع “طارئ”، أو تصريحات متهافتة في قنوات الإعلام، أو لزيارات للمناطق المنكوبة، أن تمحو آثار ندوب الفضيحة من ذاكرة البيضاويين.
إن غرق القطب المالي وعاصمة المال والاستثمار والاقتصاد للمرة الثالثة في أقل من 14 سنة، لا يجب أن يمر مرور الكرام، دون محاسبة أو عقاب، وعلى المؤسسات المعنية بإنفاذ القانون أن تتحمل مسؤوليتها في فتح التحقيقات اللازمة وترتيب الجزاءات الضرورية.
إن ما وقع، يا سادة، جريمة مكتملة الأركان والصفات والوقائع والزوايا، في حق الوطن، وفي حق المواطنين الذين يدفعون سنويا، ملايير الضرائب من جيوبهم وعرقهم، من أجل أن يعيشوا في أمن وطمأنينة وسلام، لا أن يدفنوا في قبور من ماء، ويدثروا في أكفان من وحل.
ما وقع جريمة أيضا ضد بلد يبذل مجهودات جبارة لتحسين صورته وموقعه وترتيبه في العالم، ويبحث عن الريادة، وسط مناخ إقليمي معاكس وصعب، ليفاجأ في النهاية أن من يريد به سوءا، هم أبناؤه في الداخل، وليس أعداؤه في الخارج.
فلم تعر فيضانات البيضاء هشاشة البنيات التحتية في أكبر مدن المغرب، ولم تفضح أساليب الغش في المشاريع والفساد في الصفقات العمومية فحسب، بل كشفت أن بين ظهرانينا مسؤولين يريدون سوءا بهذا المغرب، ويضعون جميع العصي في عجلاته لمنعها من الدوران.
إن الخطر الذي يتربص اليوم، بالمغرب والمغاربة، لا يتمثل في تعثر المشاريع التنموية، أو ضعف الكفاءات وقلة الإمكانيات، أو قصور في التصورات والعناصر الاستباقية، بل في وجود قوى تعتبر أي تقدم وإنجاز ونجاح لا يصب في مصلحتها، تجب محاربته بشتى السبل.
فما معنى أن يعجز مسؤولون إداريون ومنتخبون وشركات للتدبير المفوض عن إيجاد حل لمشكل فيضانات التساقطات المطرية، وهي مهمة انتهت منها مدن العالم منذ أكثر من 50 سنة، وأضحت جزءا من التاريخ؟
وما معنى أن تخصص الدولة ملايير الدراهم سنويا لمشاريع هيكلة البنيات التحتية للتطهير السائل بالبيضاء، تذهب مباشرة (الملايير) إلى الواد الحار؟
وما معنى أن تخصص أعلى سلطة في البلد خطابا خاصا بالبيضاء، تنبه فيه إلى الاختلالات والكوارث الكبرى التي تعرفها المدينة، وتأمر بتخصيص ملايير الدراهم لدعم المشاريع المهيكلة، دون أن يترجم أي مشروع “مقاد” على أرض الواقع؟ 
إن كل هذه الأسئلة وغيرها، ليس لها سوى جواب واحد، هو أن التوجهات العامة للبلد في واد، وأجهزة التنفيذ المحلية والجهوية في واد آخر.
ولعمري، إن أقصر الطرق إلى الخراب أن يوجد على رأس مؤسسات من هذا النوع أشخاص مستهترون، “بنفوس باردة”، يغلبون مصالحهم الذاتية وحساباتهم الشخصية والحزبية على مصلحة الوطن.
فمؤكد أن فيضانات البيضاء أسقطت القناع عن الوجوه البشعة، التي ظلت تختبئ وراء تقارير الإنجازات والنجاحات الملفقة، لكنها أعطت الدرس للجميع، أن الخيانة ملة واحدة.
فأن تخون بلدك وترتمي في حضن عدو أجنبي، لا يختلف كثيرا عن طعن الوطن من الخلف، وتقديمه للعالم في صورة دولة متخلفة تعجز عن إصلاح قناة للواد الحار!!!!! 
بيننا التاريخ 
أيها الخوارج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى