fbpx
حوادث

جدوي: حماية ضباط الشرطة القضائية وقضاة النيابة العامة

ما يدور شفويا بين النيابة والشرطة من إخبار وتعليمات يبقى خروجا وشذوذا عن النظام التفتيشي

بقلم: أشرف منصور جدوي *

تعتبر مؤسسة الشرطة القضائية مؤسسة لا محيد عنها، حيث يناط بضباطها التثبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيها. ونظرا للدور المحوري الذي تلعبه الشرطة القضائية، نص الشارع الدستوري ولأول مرة عليها في صلب الدستور وجعلها مؤسسة دستورية، حيث جاء في الفصل 128 من الدستور ” تعمل الشرطة القضائية تحت سلطة النيابة العامة وقضاء التحقيق، في كل ما يتعلق بالأبحاث والتحريات الضرورية في شأن الجرائم وضبط مرتكبيها ولإثبات الحقيقة”.

بالرجوع إلى قانون المسطرة الجنائية فإن ضابط الشرطة القضائية هم القلب النابض لعمليات البحث وإجراءاته، سواء كان بحثا في إحدى حالات التلبس، أو بحثا تمهيديا.
ولن نغالي إذا قلنا إن ضابط الشرطة القضائية هو عين النيابة العامة التي بها تبصر، وهو أذنها التي بها تسمع في مرحلة أولى، وهم عين وأذن المحكمة في مرحلة لاحقة خاصة في الجنح.

وإذا كان الأمر كذلك فإنه وجب علينا تسليط الضوء على نقطة مهمة وهي العلاقة بين النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية، خاصة في شقها المتعلق بإعطاء التعليمات وإصدار الأوامر من النيابة العامة إلى ضباط الشرطة القضائية، وذلك صيانة لحقوق أطراف البحث، وحماية لضباط الشرطة القضائية من جهة، وقضاة النيابة العامة من جهة أخرى، في إطار مبدإ دستوري مفاده ومؤداه ” ربط المسؤولية بالمحاسبة ” أي أن كل مُتَوَلٍّ لقدر من المسؤولية كَبُرَ أو صَغُرَ شأنها وبمنطوق صريح الدستور بات أهلا للمحاسبة تبعا للمسؤولية المسندة إليه.
ولما كان قاضي النيابة العامة بشرا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، شأنه في ذلك شأن ضابط الشرطة القضائية وشأن كل البشر فقد تزيغ بهما أو بأحدهما النفس الأمارة بالسوء وتسقط متردية في مستنقع الجريمة أو على الأقل في إخلالات خلال مرحلة البحث.

وقد تحدث وقائع ربما، ولربما تكون قد حدثت فعلا، حيث بناء على ربط الاتصال من قبل ضابط الشرطة القضائية بالنيابة العامة وإخبارها بواقعة معينة تعطي تعليمات معينة، على سبيل المثال، بوضع المشتبه فيه تحت الحراسة النظرية. وقد يظهر في ما بعد ذلك أن تلك الواقعة لا تستدعي الوضع تحت الحراسة، وعند فتح الأبحاث نكون في حالة من الحيص بيص، إذ مثلا قد يقول ضابط الشرطة القضائية إنني لم أفعل غير أنني امتثلت لتعليمات رئيسي القضائي قاضي النيابة العامة، وعند البحث مع قاضي النيابة العامة قد يقول فعلا إنني أعطيت تلك التعليمات إلا أن رواية ضابط الشرطة القضائية ليست هي الرواية الحقيقية إذ أعطاني رواية أخرى و الرواية المروية من قبله وهي كالتالي … فعلا تستدعي الوضع تحت الحراسة النظرية، فالأمر إذن لا يخلو من فرضيتين اثنتين، إما أن ضابط الشرطة القضائية كاذب في روايته لسبب أو آخر وقدم تلك الرواية من أجل وضع المشتبه فيه تحت تدبير الحراسة النظرية، وإما أن قاضي النيابة العامة هو من أخطأ في التقدير إن عن حسن أو سوء نية وأراد التملص من المسؤولية، فما الحل ؟

ما الحل خصوصا أنه إذا علمنا أن الشرطة القضائية منوط بها العمل على تنفيذ أوامر وتعليمات النيابة العامة، علما أن المشرع في قانون المسطرة الجنائية وإن كان قد نص على هذه التعليمات أو الأوامر من قبل النيابة العامة، فإنه لم يبين شكل هذه التعليمات فهل تستوي في ذلك التعليمات سواء كانت شفوية أو مكتوبة أم الأمر غير ذلك.
لا مراء ولا خلاف أن مشرع قانون المسطرة الجنائية المغربي خاصة في مرحلتي البحث – بنوعيه التلبسي والتمهيدي – يعتنق المبدأ التنقيبي أوالتفتيشي أو البوليسي ومؤدى هذا المبدأ وخصائصه باختصار شديد أنه يقوم على خصيصتين اثنتين وهما السرية والكتابة.

فمؤدى السرية أن أي شخص مساهم في مسطرة البحث والتحقيق ملزم بكتمان السر المهني تحت طائلة العقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي خاصة في فصله 446 بإحالة من المادة 16 من قانون المسطرة الجنائية، وأنه لا يمكن للعموم الاطلاع على مجريات البحث والتحقيق.

ومؤدى الكتابة أن أي إجراء خلال مرحلتي البحث والتحقيق لابد أن يكون له أصل ثابت في الأوراق والمستندات، ولابد له من أثر مكتوب. وحتى ولو كانت نتيجة الإجراء سلبية لابد دوما من الكتابة.
وعليه واعتبارا لما سبق فإن ما يدور شفويا بين النيابة العامة والشرطة القضائية من إخبار وإشعار وإعطاء للتعليمات، يبقى خروجا وشذوذا عن النظام التفتيشي المعتنق من قبل مشرع قانون المسطرة الجنائية، بينما أمام قاضي التحقيق نبقى أوفياء لهذا النظام التفتيشي، إذ كل ما يصدر عن قاضي التحقيق من أوامر أو إنابات قضائية للشرطة القضائية لا يمكن أن يكون إلا مكتوبا.

وإذا كان اللسان حرا والقلم أسيرا فإن قضاة النيابة العامة أحرار في الإدلاء شفويا بما يبدو لهم مفيدا، في حين أن ما يصدر عنهم من مكاتيب يجب أن يكون مطابقا للتعليمات الكتابية والقانونية الموجهة إليهم من قبل رؤسائهم وهو ما وقع التنصيص عليه صراحة في الفصل 110 من الدستور والذي جاء في فقرته الثانية: ” يجب على قضاة النيابة العامة تطبيق القانون. كما يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها.”

وإذا كان هذا هو حال التعليمات بين قضاة النيابة العامة ورؤسائهم من القضاة أنفسهم، أي أن المشرع حمى قاضي النيابة العامة الرئيس والمرؤوس والعبرة في حال نسبة مخالفة التعليمات تكون لما ورد من تعليمات كتابية، اعتقد أنه يجب أن يكون الأمر نفسه بين قضاة النيابة العامة ومرؤوسيهم من ضباط الشرطة القضائية، وفاء للنظام التفتيشي ودرءا لكل خطأ محتمل إن بحسن نية أو بسوئها من قبل الجانبين.

ورُبَّ قائل أن كتابة تقرير إخباري من قبل ضابط الشرطة القضائية وإرساله إلى النيابة العامة وانتظار التعليمات قد يستلزم وقتا، فإنني أعتقد وما دمنا نخطو خطوات نحو المحكمة الرقمية، أن إنشاء شبكة اتصال معلوماتية مؤمنة بين رئاسة النيابة العامة والنيابة العامة لدى محاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية من جهة وبين مختلف مصالح الشرطة القضائية، سيجعل الشبكة تتضمن كل ما يصدر عن الشرطة القضائية من إخبار أو إشعار أو تقرير وتتضمن كذلك التعليمات الصادرة عن النيابة العامة، حيث سيتم الرجوع إلى تلك المحررات الالكترونية متى دعت الحاجة إلى ذلك، في أفق حماية من يستحق الحماية ومعاقبة من يستحق العقاب ممن تولى المسؤولية ولم يقدرها حق قدرها.

وهناك تجربة يمكن القياس عليها، فمثلا المنظومة المعلوماتية المتعلقة بخط شرطة النجدة الخط الهاتفي 19، تتضمن متى تلقى المناول أو موظف الشرطة المكالمة، وفي غضون أي حيز زمني أجاب عنها أو لم يجب عنها، و هو ما يمكن من استفسار ذلك الموظف بخصوص عدم الجواب عن المكالمة أو التأخر في الجواب عنها.

هاته الفكرة التي إن وقع الاستئناس بها ستمكن من ضبط أي إخلال محتمل من قبل الجانبين، وستتم مراقبة ضابط الشرطة القضائية، وستمكن من مراقبة عمل قاضي النيابة العامة متى تلقى الإخبار أو الإشعار، ومتى أجاب أو لم يجب عن ذلك الإشعار بتعليمات مكتوبة ومحررة إلكترونيا. كما ستكون تلك المكاتيب ناطقة عن أصحابها في حال وقوع أي إخلال أو خلاف، وهو ما سيمكن من مراقبة رواية ضابط الشرطة القضائية ومدى صدقها، وما سيمكن كذلك من مراقبة احترام قاضي النيابة العامة للقانون تبعا للتعليمات التي أصدرها، والكل في أفق ربط المسؤولية بالمحاسبة، إذ ستنطق عند الحاجة تلك المحررات.

* محام بهيأة البيضاء

تعليق واحد

  1. بمجرد قراءتي للعنوان تشوقت لقراءة المقال ظنا مني ان يكون كاتبه لامس الحقيقة خصوصا وانه من أهل مكة الا أنني تفأجئت به يحيد عن لب المشكل محاولا اظهار خلاف وانعدام ثقة بين النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية وذلك مجانب تماما للصواب بل على العكس اتسمت العلاقة بين الطرفين بنوع من التكامل والتفاهم التام لكونها مبنية على اساس الاحترام وكل مادون ذلك هو حالات شاذة واستنائية غير قابلة لتصويرها كقاعدة
    وان كنت متفق مع الكاتب في حاجة ضابط الشرطة القضائية للحماية فذلك لكون هذا الاخير يكون خاضع لقانونين مختلفين بحكم وظيفته الاول الاداري الخاص بادارته والذي يفرض عليه الامتثال لمروؤسيه الادارين والثاني بحكم كون جزء لايتجزء من النيابة العامة وما تفرضه هذا الازدواجية من اكراهات وضغوطات قد تعرقل عمله في اطار الشرطة القضائية وتكبل جميع امكانيته في البحث والتحري والتدقيق وهنا وجبت حمايته ليقوم بمهامه على اكمل وجه ودون تأثير على نزاهة عمله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى