fbpx
ملف الصباح

لقاءات تنتهي بحروب

مبادرات تختتم بالفشل قبل أن يجف مداد توصياتها والتجربة المغربية تنجح في التعايش

منذ عدة عقود بادر الفاتيكان بفتح حوار مع الأديان، ثم توالت المؤتمرات والأبحاث والدراسات حول التعايش بين الأديان، سرعان ما يجف حبرها مع أولى الهزات.
في كتاب للباحث عبد الحليم آيت أمجوض، يحمل عنوان “حوار الأديان”، يقول المؤلف “إن الدعوة إلى الحوار أصبحت ضرورة ملحة تفرضها الصراعات الحضارية القائمة، وتقتضيها المشاكل والأزمات الدولية العديدة، ولهذا شاعت بين الناس عبارات كثيرة من قبيل: حوار الأديان، والحوار الإسلامي المسيحي، وحوار الحضارات، وحوار ا لثقافات، وحوار الشمال والجنوب، والحوار العربي الأوروبي، والحوار الاجتماعي… والغاية هي تعويض عبارات أخرى من مثل: الصدام الطائفي، والحرب الأهلية، وصدام الحضارات، وصراع الشمال والجنوب…”.
لم تنته كل دعوات إلى حوار بين الأديان إلى توافق، بل انتهت، قبل بدايتها، كما يوضح أن فترات احتقان مرت بهما العلاقة بين العالمين الإسلامي والغربي اختفى خلالهما هذا الخطاب، الأولى امتدت بين خريف 2005، وشتاء 2006 إثر قيام صحيفة دنماركية ثم صحف أوروبية أخرى بنشر صور كاريكاتورية تسيء إلى الرسول (ص) على نحو أثار عراكا ثقافيا هائلا استمر شهورا عدة، وبدا السجال خلالها حول مفهوم”حرية التعبير”بين إطارين مرجعيين لكل منهما ضوابطه، إذ أصر اليمين الأروبي على التوسع في تصوره والتعسف في استخدامه على حساب”حرية الاعتقاد”، بينما أصر الوعي الإسلامي على ضرورة الفصل بين”حرية التعبير”و”حرية الاعتقاد”. أما الثانية فتمتد منذ خريف 2006 إثر المحاضرة الشهيرة التي ألقاها البابا بيندكتوس السادس عشر أمام طلاب جامعة”ريجينزبورج”واستعادته لأقوال إمبراطور بيزنطي هو مانويل الثاني ووصفه الرسول (ص) بصاحب سيف بتار وظفه لنشر هرطقته، وليس صاحب دعوة مختار جاهد لنشر رسالته، مرتبا على ذلك استنتاجه عن مجافاة الإسلام لروح العقلانية، بعكس المسيحية المشبعة بالروح الفلسفية الإغريقية.
نأى المغرب، في مراحل كثيرة، بنفسه عن هذه السجالات التي لا تنتهي إلا بالدماء، بل أصبح نموذجا في التعايش بين الأديان، فحسب أحد الباحثين عرف المغرب عبر تاريخه الطويل بالتعامل الجيد والنظرة المتسامحة مع كافة الطوائف الدينية، ومما يؤكد على ذلك الرسالة، التي وجهها الملك محمد السادس إلى المشاركين في أشغال مؤتمر “حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية.. الإطار الشرعي والدعوة إلى المبادرة”، الذي افتتحت أشغاله بمراكش في 25 يناير 2016، والتي جاء فيها أن فالمملكة المغربية “لا ترى مبررا لهضم أي حق من حقوق الأقليات الدينية، ولا تقبل أن قع ذلك باسم الإسلام، ولا ترضاه لأحد من المسلمين. ونحن، في اقتناعنا هذا، إنما نستلهم الفهم الصحيح لمبادئ الدين، كما نستلهم تراثنا الحضاري وتاريخ هذه المملكة العريقة في التعامل النبيل بين المسلمين وبين غيرهم من أتباع الديانات”.
ذكر الباحث نفسه أن حوار الحضارات وتواصل الثقافات يعد من أهم العوامل، التي تساهم في بناء مجتمع عالمي متقدم، وتكمن الصعوبة أن كل ثقافة تحاول أن تفرض نفسها، وتعتبر نفسها الأمثل والأحسن، مفترضة مسبقا تفوقها على الآخرين، وأن بقية الثقافات يشوبها النقص وعدم الصلاحية ويفترض تهميشها. فقبولنا الجانب الآخر هو مفتاح قبول الآخر لنا، وبالتالي يفتح الجسور والقنوات للتعرف على الآخرين بسلبياتهم وإيجابياتهم وثقافاتهم متعددة الآراء والمناهج.

خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى