fbpx
افتتاحية

«افهم اتسطا»

عليك أن تتمتع بصفات خارقة للعادة حتى تستطيع فك «ألغاز» العرض الطويل والعريض، الذي قدمه وزير الصحة، أول أمس (الخميس)، أمام لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب.
على امتداد أكثر من 29 صفحة تلاها المسؤول الحكومي أمام ممثلي الأمة، لا يمكن أن تخرُج بخلاصة يتيمة تشفي الغليل، أو فكرة، حول حقيقة الوضع الصحي اليوم، وطبيعة الحالة الوبائية، وهل نحن في مرحلة جد خطيرة، أو عادية، أو متحكم فيها، أو قيد الانفلات، أو تحت السيطرة، أو خارجها.
فكل هذه النعوت يمكن أن تكون مناسبة لتوصيف حالة قصوى من الارتباك عبر عنها وزير الصحة، الذي لم يزد الأمر إلا تعقيدا، مروجا خطابا جمع بين طياته، في الوقت نفسه، عبارات التهويل والتضخيم واليأس والتطمين والأمل.
خطاب يقول في الوقت نفسه، إن مغربا باستطاعته تجاوز المحنة ومواجهة الوباء في الأيام المقبلة، ومغربا آخر انفلتت الأمور من بين يديه خلال مرحلة تخفيف الحجر الصحي، ودليله في ذلك الارتفاع المهول في عدد الإصابات، الذي انتقل من 8 آلاف إصابة في يونيو الماضي، إلى أكثر من 92 ألفا في 16 شتنبر الجاري.
فأي خطاب نصدق إذن؟
خطاب أن المغرب يوجد في وضعية كارثية جدا، بسبب التفشي الكبير للفيروس وتحطيمه جميع التوقعات والسيناريوهات حتى الأسوأ منها، أو خطاب ينشر أملا كاذبا في تجاوز الوضعية مستقبلا.
لهذه الأسباب بالضبط، غادر أعضاء لجنة القطاعات الاجتماعية مقر مجلس النواب، دون أن يفهموا أي شيء، أو يعرفوا حقيقة الوضع، والحلول والخطط البديلة، التي تتوفر عليها وزارة الصحة لمواجهة الحالة الوبائية المتوحشة، التي يعرفها البلد، كما لم يلتقطوا أي فكرة عن وضعية المستشفيات العمومية، وحالة العياء والتعب القصوى، التي أضحت عليها الأطقم الطبية في جميع المناطق.
والحقيقة أن وزير الصحة لا يتحمل وحده مسؤولية الارتباك، الذي تعيشه المنظومة الصحية في مواجهة الجائحة، بل يتحملها أيضا نواب الأمة أنفسهم النائمون في العسل، يأتون، بين الفينة والأخرى، إلى مجلس البرلمان لطرح سؤال في لجنة، أو الاستماع إلى مداخلة وزير، علما أن القانون يمنحهم حق تشكيل لجان للتقصي للوقوف ميدانيا على الوضع الصحي، وتقديم الحقائق إلى المغاربة.
إنه التواطؤ الذي يتحمل مسؤوليته الجميع، حين يشعر أن الحكومة استسلمت إلى الأمر الواقع، ورفعت الراية البيضاء أمام الفيروس، وتنتظر حلولا أخرى، غير حلول الأرض لتجاوز الوضعية الكارثية.
فمنذ يوليوز الماضي، اختفى رئيس الحكومة عن الأنظار، ولم يعد يظهر إلا لماما لترؤس مجالس حكومية بجداول أعمال باهتة، توجد في واد، بينما توجد اهتمامات المواطنين في واد آخر، وكأن أرقام الإصابات اليومية وعدد الوفيات لا تعنيه من بعيد، أو من قريب.
إن هذا الغياب ليس له إلا معنى واحد في هذا الظرف الحرج، هو أن رئيس الحكومة لم يعد يجد ما يقوله للمغاربة.
رئيس حكومة فقد القدرة على إدارة زمام الأمر.
رئيس حكومة يتلقى الأخبار والتطورات مثل أي مواطن عاد، ولا يملك، اليوم، أي حل للخروج من الأزمة المركبة، التي فرضها الفيروس على المغرب.
رئيس حكومة مستسلم، تحول إلى عبء ومشكل كبير، وجب حله في أسرع وقت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى