fbpx
افتتاحية

جريمة مجتمع

أن يُختطف ابنك، أو ابنتك، أمام منزلك، أسبوعا كاملا، ثم يأتيك خبر نعيه، مغتصبا ومقتولا ومدفونا في حفرة، لا يمكن إلا أن يؤجج فيك أنواع الأحقاد، وتطالب فورا بإنزال أقسى أنواع القصاص والتقطيع والصلب والإعدام ضد الفاعل.
فهذه، بكل تأكيد، ردود أفعال إنسانية طبيعية، إزاء مصاب جلل، تتحرك تلقائيا حين نفقد عزيزا في ظروف عادية، والأحرى حين يتعلق الأمر بجريمة اختطاف قاصر، لا يتجاوز عمره 12 سنة، وإخفائه أكثر من أسبوع، واغتصابه وقتله ودفنه بالملابس التي غادر بها المنزل.
إنها جريمة لا تغتفر، حتما، وينبغي على القانون أن يأخذ مجراه إلى النهاية. كما لا يسعنا إلا أن نقدم أحر التعازي والمواساة إلى أسرة الطفل عدنان، وإلى جميع الأسر المغربية التي فقدت طفلا عن طريق الاختطاف، وهتك العرض، والقتل وممارسة أنواع البشاعة والانتقام ضد الحلقة الأضعف في المجتمع، وهي الأطفال.
بهذا المعنى، فنحن لسنا فقط أمام «ذئاب منفردة» تنفذ جرائمها ضد الأطفال والقاصرين بمعزل عن المجتمع، ثم نطلب من السلطات القضائية أن تنزل عليهم أقسى أنواع العقاب، وانتهى الأمر.
إن الموضوع أعقد بكثير مما يتصور الكثيرون.
فأن يتعاطف عدد كبير من المغاربة مع أسرة الطفل عدنان، ويسارعوا إلى طلب تنفيذ الإعدام، (أو القصاص كما ذهب البعض، رغم كل الالتباسات القانونية والشرعية والدينية والتاريخية والفقهية التي يحملها هذا المفهوم)، فإن ذلك لن يحل إلا جزءا يسيرا من المشكل، أي إنهاء حياة شخص، بعد أن تؤكد جميع التحريات والأدلة أنه هو الفاعل.
لكن السؤال الذي سيطرح مباشرة بعد تنفيذ حكم الإعدام ضده: هل انتهت جريمة اختطاف الأطفال والتنكيل بهم واغتصابهم وقتلهم في النهاية؟
الجواب، حتما، سيكون لا. لأن الجريمة، أي جريمة، غير معزولة عن المجتمع بجميع أنظمته وسياقاته التربوية وتمثلاته الثقافية وإفرازاته النفسية وفهمه للدين والأخلاق، وبالتالي، فالعلاج سيكون من المجتمع وليس من خارجه.
إن جرائم بشعة مثل هذه، تضعنا مباشرة أمام المرآة، كي نرى نوعية البشر التي أنتجنا طيلة عقود، ومستوى التردي والانهيار الكلي للقيم، وفقدان الوازع الأخلاقي والإنساني لدى الكثيرين من «أبناء» هذا المجتمع، الذين لا يتورعون عن ارتكاب أبشع الأفعال ضد بعضهم، وحين ينتهون، يجلسون قرب الجثث يشربون أنخاب النصر !
هؤلاء هم نتاجنا. عجينتنا التي عبثت بها أناملنا طيلة عقود، حتى أعطتنا هذه الأشكال والصفات والعقد.
«صناعتنا الوطنية» التي ارتدت علينا في شكل جرائم ومآس واختطافات وتنكيل وقتل واغتصاب وتمثيل بالجثث.
هوايتنا السيئة التي مارسناها في المدارس وداخل الأسر وفي الشارع وفضاءات التنشئة الاجتماعية، وكانت «خلاصتها» أفرادا «غير طبيعيين» يوجدون في كل مكان، ولا أحد يتوقع ردود أفعالهم وجرائمهم، وماذا يخططون في هذه اللحظة؟ وكيف سينفذون؟ ومن هم ضحاياهم المقبلون؟  
فقد يكون تنفيذ الإعدام في حق هؤلاء جيدا لتضميد جرح، ورد اعتبار لأسرة مكلومة، لكن لن يجدي في علاج مجتمع.
فالطريق طويل.
ويتطلب صبرا وعملا ومكابدة.
حتى نصبح بشرا… مجرد بشر لا غير.
وليس قطعان حيوانات «تقطع» بعضها حين تجوع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى