fbpx
افتتاحية

“التلفة”

هي العنوان الأكثر واقعية لتوصيف حالة التيه التي دخلتها الحكومة، بجميع أجهزتها الصحية والتقنية والعلمية والإدارية، في التعامل مع جائحة كورونا، ما بعد رفع الحجر الصحي المطبق في مارس الماضي وانتهى، عمليا، في نهاية يونيو الماضي.
و”التلفة”، هي ما يشعر به ملايين المغاربة، لا يملكون أي جواب عما يجري اليوم في بلدهم، ولا يعرفون، على وجه التحديد، الجهة الرسمية التي يمكن أن تدلهم على طريق النجاة، أو الهلاك، فكلاهما سيان بالنسبة إليهم، ما دام الأمر يتعلق بقرار في نهاية المطاف.
و”التلفة”، أيضا، هي ما يؤطر عمل الأجهزة واللجان والقطاعات والمؤسسات المكلفة بتدبير أزمة “كوفيد 19″، وأغلب أعضائها يشتغلون بمنطق “كل نهار ورزقو”، في غياب لوحة قيادة بأرقام ومنحنيات وسيناريوهات ونتائج أقرب إلى الواقع.
و”التلفة”، هي نفسها التي تتجول في أرجاء ومقاطعات وعمالات البيضاء، التي صدر في حقها قرار حكومي بالإغلاق يتضمن ستة تدابير على الأقل، أغلبها ظل حبرا على ورق، إذ تستمر الحياة إلى ما بعد منتصف الليل في جميع الأحياء، وكأن شيئا لم يكن، أو كأن المدينة لا تسجل يوميا أرقاما تفوق 850 حالة في المعدل.
و”التلفة”، هي أن يتحدث مسؤول، أو مسؤولة بقطاع الصحة بقناة عمومية، دون أن يقدم أي جديد، ولا يحمل أية معلومة، ولا يبعث أية رسالة اطمئنان إلى المواطنين، بل يزيد الطين بلة بتصريحات “غير مسؤولة”، كأن تقول إحداهن: “إن احتمال العودة إلى الحجر الصحي الكلي وارد جدا في أي لحظة” !!!
فما قدمناه أعلاه سوى نماذج صغيرة لحالة التخبط التي تعيشها الحكومة إزاء جائحة، وبدا أن الجميع حمل الراية البيضاء وألقى بالسلاح، والدليل القاطع ما يجري، في هذه الساعات، في المستشفيات العمومية والميدانية من فوضى ودخول وخروج، وارتباك في توزيع الأدوية، وفوضى أكثر في المراقبة الطبية، دون الحديث عن كذبة كبيرة اسمها بروتوكول العلاج المنزلي.
في مقابل هذا التخبط الرسمي، سيكون طبيعيا أن تصدر عن المواطنين سلوكات تسير في المنحى نفسه من الفوضى، تطبيقا للمثل العربي الشهير “إذا كان رب البيت بالدف ضاربا فلا تلومّن الصغار على الرقص”.
إن مظاهر التراخي واللامبالاة، ليس مردها دائما إلى عطب في التربية وقلة التحسيس والوعي، بل أيضا إلى وجود نوع من رد الفعل تجاه السلوك العام للحكومة في التعاطي مع ملف، أو قضية ما.
فإذا أحس المواطن، فعلا، أن الأمور تسير في إطار من الضبط والتحكم الموجهين برؤية واضحة، كان فعله، تلقائيا، تجاه التعاون والالتزام والانضباط للقانون والمساطر، أما إذا شعر أن الحبل متروك على الغارب، نحا إلى التعامل بالمثل، وهو ما نلحظه، اليوم، في الشوارع والمقاهي والأسواق والفضاءات العمومية من “ردة” على ارتداء الكمامات واحترام مسافة الأمان، والالتزام بقواعد النظافة والتعقيم.
باختصار شديد، إن الوضع خطير جدا،
ولا نحتاج إلى إعادة تأكيد ذلك في كل المرات.
فإما أن تتوفر الحكومة على قدر من الوضوح لمواجهة تحديات الأيام المقبلة، أو ننتظر الكارثة.
لا قدر الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى