fbpx
افتتاحية

الخط الأحمر

ماذا يقع في قضاء وطني؟ وماذا يجري في الكواليس وخارجها وفي الحدائق الخلفية؟ ومن المستفيد بالضبط من مسلسل طويل من التشهير والتلفيق، موضوعه قضاة من جميع الدرجات وفي جميع المسؤوليات؟ ومن يهمه، في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ المغرب، أن تسقط هيبة القضاء (ومعها هيبة الدولة والمؤسسات)؟ ولأي أهداف، على وجه التحديد، تتوالى حلقات هذا المسلسل؟
أسئلة وغيرها لا يمكن إلا أن نعيد صياغتها على هذا النحو، ونحن نتابع حملات التشهير والتلفيق والفضح والتسريب ضد قضاة ووكلاء ملك ووكلاء عامين للملك ونواب ومسؤولين، يتكلف بها مسيرو صفحات ومواقع إلكترونية وقنوات في العالم الافتراضي، وخلفها “مستفيدون” يهمهم أن يصل الابتذال إلى هذا الحد من الوضاعة.
إن ما ندد به قضاة في جهة البيضاء سطات، قبل أيام، ومطالبتهم النيابة العامة والجهات القضائية المركزية بالكشف عنه والتحقيق فيه، ليس سوى حلقة أخرى من مسلسل طويل بدأ كي لا ينتهي، وكانت أولى حلقاته ما وقع، قبل سنة ونصف سنة، في مراكش في قضية حمزة مون بيبي، وما رافقها من تطاول على قضاة التحقيق وهيأة الحكم ووكيل الملك من قبل أشخاص، تؤكد كل القرائن أنهم لا يتحركون لوحدهم، بل وراءهم “آخرون” يمدونهم بكل ما يلزم من وقود لإيقاظ الفتن والنفخ في النيران.
فما يجري، منذ أشهر، لا يمكن اعتباره مجرد صدفة، بل ينبغي أن نطرح السؤال اليوم عن الجهة، أو الجهات (داخلية، أو خارجية) التي تقتات من العمل في الكواليس، وتفضل هذه الأساليب القذرة في التشهير والسب والقذف.
فإذا كان الغرض فعلا من حملات التشهير هو فضح بعض المسؤولين في القضاء، فكان أولى التوجه إلى القضاء والمحاكم لوضع شكايات ضدهم، وفتح مساطر تحقيق وعقد جلسات للحكم. أما إذا كان الغرض هو العبث بهيبة القضاء، ومعه هيبة الدولة والمؤسسات، وتسفيهه أمام الرأي العام الوطني والدولي، فهنا يجب أن نقف وقفة واحدة، لنعرف “الطرف” المستفيد من ذلك، وما هي أهدافه بالضبط؟
إن دفاعنا عن هيبة القضاء وهيبة الدولة، لا يعني، بأي شكل من الأشكال، الانحياز إلى بعض مظاهر الفساد في الجسم القضائي، وهي سلوكات شخصية لا ينبغي أن تكون حجة للبعض لتلطيخ الجميع، أو تعميم مقولة “كولشي شفار” التي تدوولت على هامش التحقيقات مع نائب وكيل الملك بالبيضاء.
فكما نرفض الاغتناء غير المشروع، والبيع والشراء والسمسرة في ملفات المتقاضين (وهو ما يمكن التأكد منه بتفعيل قانون من أين لك هذا)، فكذلك نرفض المس بسمعة قضاة شرفاء ونزهاء لو أقسموا على الله لأبرهم، من منطلق “ولاد عبد الواحد كلهم واحد”، وهو منطق يراد به باطل لترسيخ “صورة” معينة عن القضاء المغربي، بنية سيئة، في الغالب.
إن القضاء وهيبته خطان أحمران لا ينبغي أن يكونا موضوع “مساومة”، سواء من قبل بعض الأشخاص الفاسدين، الذين يعرفون أنفسهم، أو من قبل “جهات خفية” تريد تصفية حسابات “ما” على حساب القضاء وسمعته، بنوع من التعميم المجحف.
فالواجب اليوم، ليس فقط الاكتفاء بالتنديد والاستنكار، بل فتح تحقيق قضائي دقيق لكشف المتلاعبين ومحاكمتهم، وهو الإجراء الكفيل بإسكات هذه الطفيليات، ورد الاعتبار للقضاة النزهاء.
فلا ديمقراطية دون قضاء حر ونزيه ومستقل وقوي، بعيدا عن الشبهات.
ومن يعبث بالقضاء (أيا كان ومن أي جهة كانت) فكأنما يعبث بثوابت الأمة والوطن.
بسلمه وسلامته وأمنه ومستقبله.
لذلك لن نسكت.
وسنكون في الصفوف الأمامية للدفاع عنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى