fbpx
حوادثمقالات الرأي

الوكيل: المبادئ الأساسية للتحكيم التجاري الدولي

لا يمكن الطعن في صحة اتفاق التحكيم بسبب عدم صحة العقد الأصلي

بقلم: د.نورالدين الوكيل*

التحكيم التجاري الدولي نظام خاص يتولى تسوية المنازعات المرتبطة بالتجارة الدولية، بناء على اتفاق أطراف الخصومة. هذا النظام يعتمد في الأساس على مبدأ سلطان الإرادة ركيزة أساسية تنبثق من خلالها المبادئ الأخرى، أي أن التحكيم إجراء اتفاقي رهين بقبول أطراف النزاع اللجوء إليه، وأن سلطة وصلاحية المحكمة تتعدد بموجب هذا الاتفاق.

على هذا الأساس، فإذا اعتبرنا أن التحكيم التجاري الدولي يعيش في الوقت الراهن أزهى عصوره، فإن ذلك راجع إلى المبادئ الأساسية التي يرتكز عليها.
أولاً استقلال شرط التحكيم في العقد الأصلي:
إن اتفاق التحكيم قد يتم بموجب عقد مستقل يتم إبرامه بعد نشوب النزاع، كما قد يأتي في شكل شرط يدرج في العقد الأصلي، تنشد من خلاله الأطراف حسم أي نزاع مستقبلي.
وكثيرا ما يدور الجدل على مستوى الفقه والقضاء حول تحديد مدى ارتباط اتفاق التحكيم بالعقد الأصلي، فهو يعتبر جزءا منه يوقفه مصيره وجودا وهما بمصير العقد الأصلي أم أن اتفاق التحكيم يتمتع بكيان مستقل بذاته.
للإحاطة بهذا التساؤل سنقف عند الأساس القانوني لهذا المبدأ وكذا أهم النتائج المترتبة عنه.
أ‌- الأساس القانوني لمبدأ استقلال شرط التحكيم:
من الأهمية بمكان أن هذا المبدأ يتمحور أساسا على عدة ضروريات نذكر منها:
* استقلال شرط التحكيم يفرض اللجوء إلى هذه الوسيلة البديلة للقضاء
* اختلاف المواضيع التي جاءت بها كل التشريعات العقدية، فموضوع العقد يمكن أن يرد على بيع أو نقل أو شحن، في حين أن اتفاق التحكيم ينصب محله على الفصل في المنازعات الناشئة عن العقد الأصلي.
* يبرز هذا المبدأ بمسألة الإرادة الحرة للأطراف في سلوكه مسطرة التحكيم، بدل التعقيد والطول الذي يتميز به القضاء.
* وعليه فأهمية هذا المبدأ جعلت منه محط أنظار مجموعة من القوانين والنصوص الوطنية والدولية وكذا القواعد النموذجية، إضافة إلى الاجتهادات القضائية.
بالنسبة للقضاء الفرنسي: اعتبر القضاء الفرنسي نقطة انطلاق هذا المبدأ من خلال الحكم المشهور(قضية جوسيه)، حيث أصدرت محكمة النقض الفرنسية في 7 مارس 1963 حكما يقر بصراحة هذا المبدأ، ليصبح بعد ذلك مبدأ استقلال شرط التحكيم في العقد الأصلي مسلما به على الصعيد الدولي.
وقد جاء القانون السويسري الجديد بنص واضح ودقيق، حيث نص في المادة 178 من القانون الدولي الخاص لسنة 1976 على أنه ” لا يمكن الطعن في صحة اتفاق التحكيم بسبب عدم صحة العقد الأصلي أو أن اتفاق التحكيم متعلق بنزاع لم يحدث بعد، إضافة إلى ذلك، فإن تكريس مبدأ استقلال شرط التحكيم عن العقد الأصلي لم يطل التشريعات الوطنية فحسب، بل نصت عليه مجموعة من النصوص والقواعد الدولية النموذجية.
ومن هذه النصوص نجد:
* القانون النموذجي الخاص بالتحكيم الذي وضعته لجنة uncitral سنة 1985، حيث تنص الفقرة الأولى من المادة 16 على أنه يجوز لهيأة التحكيم البت في اختصاصاتها، بما في ذلك اعتراضات تتعلق بوجود اتفاق التحكيم، الذي يشكل جزءا من عقد، كما لو كان اتفاقا مستقلا عن شروط العقد الأخرى، أي قرار يصدر عن هيأة التحكيم ببطلان العقد لا يترتب عنه بطلان شرط التحكيم”.
* القواعد التي أرستها لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي نصت الفقرة الثانية من المادة21 من هذه القواعد: تختص هيأة التحكيم بالفصل في وجود أو صحة العقد، الذي يكون شرط التحكيم جزءا منه، وفي المادة 21 يعامل شرط التحكيم الذي يكون جزءا من عقد بوصفه اتفاقا مسؤولا عن شروط العقد الأخرى وذلك قرار يصدر عن هيأة التحكيم ببطلان العقد لا يترتب عنه بحكم القانون بطلان شرط التحكيم.
ونقف أخيرا عند الفصل 318 من قانون المسطرة المدنية المغربي الذي أكد بصريح العبارة هذا المبدأ والذي جاء فيه “يعتبر شرط التحكيم اتفاقا مستقلا عن شروط العقد الأخرى ولا يترتب عن بطلان العقد أو فسخه أو إنهائه أي أثر على شرط التحكيم الذي يتضمنه إذا كان هذا الشرط محيطا في ذاته.
أما بالنسبة للتأصيل الفقهي لهذا المبدأ يرى في هذا الصدد أن اتفاق شرط التحكيم يستنبط استقلاليته من المواضيع المختلفة لكلي الوفدين، كما أن أساس هذا المبدأ قد يعتمد على بعض النظريات الفقهية العامة لنظرية العقد، فنجد مثلا نظرية انتقاص العقد وبموجب هذه النظرية إذا كان العقد الأصلي الذي يتضمن شرط التحكيم باطلا فإن الشرط الخاص بالتحكيم يظل صحيحا إذا توافرت شروطه وهو يمثل بذلك اتفاقا منفصلا عن العقد.
ب-نتائج إعمال مبدأ استقلال شرط التحكيم عن العقد الأصلي:
إن التسليم بمبدأ استقلال شرط التحكيم عن العقد الأصلي يرتب مجموعة من النتائج نذكر من ضمنها باختصار:
* بطلان العقد الأصلي وشرط التحكيم لا يؤثر في الآخر
* استقلال شرط التحكيم عن العقد الأصلي يعني أن القانون المطبق على العقد الأصلي قد لا يكون بالضرورة القانون الواجب اتباعه خلال مراحل التحكيم.
* إن مبدأ استقلال شرط التحكيم يحيلنا على مبدأ آخر لا يقل أهمية عنه ألا وهو مبدأ اختصاص المحكم في النظر في اختصاصه والذي سنخصص له هو الآخر مطلبا مستقلا.
ثانيا – مبدأ اختصاص المحكم في اختصاصه:
إن النظر والتحقق من الاختصاص يعدان أول مرحلة يتم سلوكها للنظر في نزاع معين، وإذا كان القضاء عند بته في نزاع معين يتأكد أولا من حدود ولايته النوعية والمكانية، فعلى غرار ذلك تقوم هيأة التحكيم بالتثبت من مسألة اختصاصها من عدمه وهو ما استقرت عليه جل الأعمال التشريعية والقضائية.
والمستقر عليه أن هيأة التحكيم لا توقف أو تعلق إجراءات التحكيم إلى حين انتهاء قضاء الدولة من بحث ثبوت الاختصاص أهو لها أم لا، بل الأكثر من ذلك فقد ذهب بعض الفقه إلى القول بمنع القضاء من بحث اختصاص هيأة التحكيم.
* باحث في القانون الخاص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى