fbpx
اذاعة وتلفزيون

ثريا جبران… فنانة بسعة الحب

جوانب من سيرة ممثلة منحت للمسرح المغربي “أيام العز”
إنجاز: عزيز المجدوب

غيب الموت مطلع الأسبوع الجاري الممثلة ثريا جبران عن سن ناهز الثامنة والستين. رحيلها الذي لن يمر دون أن يترك أثره في المشهد الفني المغربي، الذي كانت الراحلة واحدة من الأسماء التي منحته هوية مغربية بأبعاد كونية وإنسانية. في هذا الخاص تقترب “الصباح” أكثر من جوانب في سيرة صاحبة “الشمس تحتضر” الفنية والشخصية.

في بريق عينيها الغائرتين، كانت تشع طاقة إنسانية تختزنها ويستشعرها كل من اقترب منها، أو شاهدها على الركح أو في الشاشة. خلف نظرتها الضيقة كان هناك متسع للعالم ولقيم الحب والقدرة على الإنصات لكل الأصوات، والتمايل مع مختلف الرياح والنسمات التي تهب عليها، لتكون فنانة للجميع، وتكسب محبة الجميع.
خلف حضورها القوي، وصوتها الجهوري، تحضر ملامح المرأة المغربية الأصيلة، وتحضر قيم نسائية رفيعة، اكتسبتها ثريا جبران من بيئة درب السلطان الشعبية التي درجت فيها وتشبعت فيها بمعاني الشهامة والبذل ومحبة الآخرين.
أجيال من المغاربة ممن حازت ثريا جبران بإعجابهم، كانت تبدو لبعضهم مثل أم رؤوم تارة، أو جارة قوية تحدب على أبناء الجيران، ويرتفع صوتها هادرا دفاعا عنهم تارة أخرى، أو تتبدى كفنانة تتقمص شخوصها ويتلبسونها، فتقلب الآية والعرف الذي بدأ به فعل التمثيل في المغرب، بأن كان الرجال يتقمصون أدوار النساء، لتأتي ثريا وتتحدى الجميع وتقوم بالعكس، وتطل على الناس في جبة “بوغابة” الذي تحول من “بونتيلا” بريخت إلى عربيد “حريزي” ينطق بدارجة قحة تمتح من قاموس الشاوية ولغتها المعتقة.
من هي هذه الثريا التي استوطنت في علياء المسرح المغربي، وتتسيد شاشة الفن السابع، وتتسلل عبر التلفزيون إلى بيوت كل المغاربة، الذين وضعوها في مصاف الأيقونات التي أثثت المشهد الفني في بلادنا؟

وشم في الذاكرة السرية
في درب السلطان كان الميلاد والنشأة، في “درب الصبليون” من هذا الحي البيضاوي العريق، على وجه التحديد رأت النور سنة 1952، في أسرة بسيطة، فقدت ربها مبكرا، لتنشأ الطفلة “السعدية اقريطيف” (وهذا اسمها الحقيقي) يتيمة الأب، في حضن أم قوية الشخصية آلت على نفسها أن تتولى مهمة تربية الأبناء والإنفاق عليهم، قبل الانتقال إلى درب بوشتنوف بالحي نفسه.
يقول عبد الرحيم التوراني الصحافي وصديق الفنانة الراحلة إن “مرافقتها لوالدتها العاملة بالميتم البلدي في عين الشق، ومعايشتها لأطفال الخيرية، تركت وشما في ذاكرتها السرية وفي قلبها حتى الرمق الأخير.”
ويضيف أنه “من لقب زوج أختها المسؤول بالميتم، استعارت لقبها “جبران”، ورفعها الفنان عبد العظيم الشناوي إلى مرتبة “الثريا”، وكان اسما ذائعا سمت به العائلات المغربية بناتها تيمنا بأول امرأة ساقت طائرة في المغرب والعالم العربي وهي “ثريا الشاوي”، وكان ميلادها الجديد باسم الفنانة ثريا جبران، ونسي الناس اسمها الأول”.
وهكذا تابعت ثريا دراستها الابتدائية والثانوية بالبيضاء، قبل أن تلتحق، نهاية الستينات، بالمعهد الوطني بالرباط، قسم الفن المسرحي.
وابتداء من 1972، عملت الفنانة الشابة ممثلة قارة ضمن فرقة معمورة، قبل أن تظهر في واحد من أشهر الأعمال السينمائية العربية ويتعلق الأمر بشريط “عمر المختار” للمخرج مصطفى العقاد، وتظهر إلى جانب النجم العالمي أنطوني كوين، وما زال عشاق هذا الفيلم يحتفظون لثريا بواحد من أقوى مشاهد الشريط، وهو المشهد الذي يسحب فيه الضباط الإيطاليون جبران ويجرونها أرضا في اتجاه مقصلة الإعدام.
حضور سينمائي ومسرحي متعدد
حضور ثريا جبران سينمائيا تعدد خلال مطلع الثمانينات في العديد من الأعمال منها “غياب” لسعد الشرايبي و”عنوان مؤقت” لمصطفى الدرقاوي و”بامو” لإدريس المريني و”الزفت” للطيب الصديقي وغيرها.
خلال الفترة نفسها أعلنت ثريا جبران عن نفسها اسما صعبا في المعادلة الفنية المغربية، من خلال تألقها مع الراحل الطيب الصديقي الذي عرف كيف يفجر الطاقات والإمكانيات التي تختزنها، عبر مجموعة من الأعمال المسرحية المؤسسة مثل “ديوان سيدي عبد الرحمن المجذوب” و”إيقاظ السريرة لتاريخ الصويرة” المأخوذ عن كتاب لوالده المؤرخ السعيد الصديقي، ثم مسرحية “أبي حيان التوحيدي”، قبل أن تتألق إلى جانب السورية نضال الأشقر في عمل من توقيع “مجذوب” المسرح المغربي، بعنوان “ألف حكاية وحكاية في سوق عكاظ” ضمن تجربة “فرقة الممثلين العرب” سنة 1985.
“أيام العز” مع “مسرح اليوم”
وابتداء من منتصف الثمانينات انخرطت ثريا جبران في تجربة مسرحية جديدة ضمن فرقة “مسرح اليوم” التي أطلقها المخرج والمؤلف ورفيقها في الحياة عبد الواحد عوزري.
راهن “مسرح اليوم” منذ البداية على التعامل مع نصوص مسرحية مختلفة من حيث المبنى والمعنى، ومن حيث التعاطي مع نصوص أدبية من أجناس موازية، حتى ولو تعلق الأمر بمسرحة أعمدة صحافية للكاتب والشاعر السوري محمد الماغوط، من خلال عمل مسرحي أول بعنوان “حكايات بلا حدود”، كان عبارة عن تجربة متفردة وبقدر عال من الجرأة في تطويع هذه المقالات لتصير كائنا مسرحيا بمعالجة دراماتورجية تجعله قابلا للتذوق الفني. وتوالت الأعمال المسرحية ضمن هذه التجربة التي تشكلت من مجموعة من الأسماء منها عبد الواحد عوزري ومحمد قاوتي ويوسف فاضل مؤلفين، وثريا جبران وعبد اللطيف الخمولي والراحلان محمد بسطاوي، ومصطفى سلمات، وآخرون. وأثمرت التجربة العديد من الأعمال الخالدة منها “بوغابة” المستنبتة من قبل محمد قاوتي عن مسرحية “السيد بونتيلا وخادمه” لبرتولد بريخت، و”ونركبو لهبال” لعبد الواحد عوزري، و”النمرود في هوليود” لعبد الكريم برشيد، و”سويرتي مولانا” لعوزري و”الشمس تحتضر” للشاعر عبد اللطيف اللعبي، ثم “أيام العز” ليوسف فاضل وغيرها.
وعن هذه التجربة يقول الممثل عبد اللطيف الخمولي إن ما جعلها تستمر لسنوات طويلة، هو ارتكاز أفرادها على الحس الإنساني، لدرجة أنهم كانوا يتعاملون في ما بينهم كأفراد أسرة واحدة، فضلا عن فتحها آفاقا معرفية أمام أفرادها للاحتكاك عن قرب مع نصوص وأسماء ذات قيمة فنية كبيرة.
وأضاف الخمولي، في حديث مع “الصباح”، إن ثريا جبران برهنت على احترافيتها في التمثيل وقدرتها الفذة على العطاء، إذ رغم حضورها القوي والطاغي على الركح، إلا أنها كانت تحرص على تمكين زملائها من تحقيق التوازن اللازم على الخشبة، بما يضمن للعمل إيقاعه السليم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى