fbpx
بانوراما

حكام المغرب والأوبئة … العطارون يسدون الخصاص

حكام المغرب والأوبئة… الصراع المرير 5

هاجسان اثنان تحكما في تعاطي سلاطين وملوك المغرب في حالات الاستثناء القصوى، سواء تعلق الأمر بالجوائح والكوارث الطبيعية، أو تمردات القبائل، أو الانتفاضات الشعبية، هما:
الهاجس الصحي وكل ما يتعلق به من تدابير وقائية واحترازية، والهاجس الأمني الذي من خلاله تتمكن الدولة الحاضنة من ضبطه والتحكم فيه، بمحاصرة ومعاقبة القبائل المتمردة”. في هذه الأوراق يعود بنا محمد أكريران، الباحث في التاريخ المغربي الحديث، من أمهات الكتب والحفر في الوثائق، ليضعنا في صورة تدبير الأزمات الوبائية والأمنية منذ عهد المخزن السلطاني إلى اليوم.
إعداد: يوسف الساكت

توقف الأسواق والمبادلات التجارية وانتشار اللصوص
أفرزت الأوبئة في تاريخ المغرب إنتاجا طبيا وأدبيا وفقهيا، تمحور بالخصوص حول الجانبين الاجتماعي والاقتصادي في تدبير الأزمات. إنه، حسب الباحث الموساوي العجلاوي، سؤال الهزات التي تصيب المجتمع في تماسكه وانسجامه وتدبيره لاقتصاد المعيش اليومي، وفي اعتقاداته واختلاف فقهائه حول رأيين.
هل الجائحة قدر يجب الاستسلام له؟ أم هو واقع يجب الهروب منه؟
ومهما يكن من موقف الفقهاء وتفاسيرهم لواقع الأوبئة داخل المجتمع المغربي، فإن ذلك كله يبرز دينامية مجتمعية، مستندة إلى خلفية دينية فقهية لتأطير المجتمع في مقاومة الأوبئة، ومن هنا أهمية المناظرات الفقهية في القضايا الصحية والوبائية.
بيد أن ظاهرة الوباء التي شملت بالخصوص حواضر المغرب، ارتبطت كذلك بالجانب الديمغرافي، مما للأوبئة من تأثير على عدد السكان.
وتحدث الرحالة الأوربيون في القرون الأخيرة، خاصة الأطباء منهم، عن الأمراض والأوبئة التي عاينوها لدى المغاربة وتأثيرها في النمو الديمغرافي.
كان للتأثيرات الاقتصادية وقع على معيش المغاربة، فالنصوص تتحدث عن التوقيف المؤقت للأسواق والمبادلات التجارية وانتشار اللصوصية، وتناثرت الأسماء لتوصيف الداء وظواهره.
نجد، أيضا، في كتب التاريخ والوثائق نصوصا حول الأدوية والمراهم المسهلة لعبور الداء، أو مقاومته من أشربة ومعجونات وأدهان وأكحال وفسولات وأرواح وأملاح والودك والأسرب والمرتك والمحروق والتنكار وهو نوع من الملح والكبريت والتوتيا والشب والأملاح، واستعملت مصطلحات للتعبير عن مراحل إعداد ” الترياق” كالتقطير والتصعيد والتكليس والعقد والتركيب والحيل والتفكيك وبيان التدبير.
ولعب أهل الحرف والعطارون دورا في تركيب هذه “المراهم”، كما استعمل زيت الزيتون في دهن الجسم بكامله، إضافة إلى الخلول، والثلج، إن وجد، والماء البارد.
في رسالة من أحمد المنصور السعدي لابنه أبي فارس، خليفته على مراكش، جوابا على ما كتب به إليه في مسألة الوباء الذي ظهر بسوس ومراكش، هل يفر منه أم لا؟  وينصح أحمد المنصور ابنه أبي فارس بالخروج من المدينة “أن أول ما تبادرون به قبل كل شيء هو خروجكم إذا لاح لكم شيء من علامات الوباء ولو أقل القليل حتى بشخص واحد….”.
ويطلب منه عدم إغفال استعمال “الترياق” ويصف أحمد المنصور كميات الترياق التي تركها في مراكش وطرق استعمالها (أحمد الناصري، الاستقصا، الجزء 5، الخامس، ص 178 و179).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى