بانوراما

الأوبئة والمجاعات في المغرب 12 … الكلاب تنهش جثث الموتى

الميسورون عمدوا إلى إفراغ مطاميرهم وتوزيع ما تختزنه من أقوات على الفقراء وتهييئها لتكون مقرهم الأخير

يحفل تاريخ المغرب بكثرة الأوبئة التي فتكت بآلاف المغاربة، وأثرت، خلال تلك الحقبة، بشكل كبير على البنية الديمغرافية للسكان، وشكلت رواسب نفسية في الذهنية الجماعية، مازالت حاضرة داخل المجتمع.
في مقال صدر في 1974، من الباحثين برنار روزنبرجي وحميد التريكي، معنون بـ”المجاعات والأوبئة في مغرب القرنين 16 و17″، تتم الإشارة إلى أن وباء الطاعون الأكثر شيوعا في المغرب، حيث يتردد كثيرا على ألسنة المغاربة عبر مختلف الحقب، إضافة إلى حمى التيفوئيد والجدري والسل والحصبة، فكيف واجه المغاربة هذه الجوائح؟
خالد العطاوي

يتفق الملاحظون الأجانب، الذين عاصروا وباء الطاعون، على القول إنه أحدث انهيارا ديمغرافيا كبيرا، إلى حد أن كثيرا من المدن خلت من سكانها. وهكذا فإن القنصل الإنجليزي دجاكسون يقدم أرقاما مدهشة عن عدد الضحايا الحضريين، ففي فاس لقي 65 ألف شخص مصرعه، وآسفي خمسمائة آلاف، ومراكش 50 ألف ضحية، والصويرة خمسة آلاف وخمس مائة شخص.
وتكتسي هذه الأرقام قيمة أدبية أكثر منها وثائقية، نظرا لما تنطوي عليه من علو مفرط، على أن كل التقديرات تسير في الاتجاه نفسه، فبالنسبة إلى فاس يذكر القنصل الفرنسي بطنجة “كيلي” أن الخسائر بها بلغت 700 و800 ضحية، بينما بلغ عدد الضحايا بها منذ ماي 1799 حوالي 30 ألف ضحية. ويفيد الرحالة الانجليزي “كورتس” الذي زار فاس في 1801، بأن الوباء فتك بحوالي 15 ألف شخص في حي واحد من أحياء المدينة، إذ لم يبق على قيد الحياة في هذا الحي سوى 30 شخصا.
وبخصوص الرباط، تشير مراسلات جديدة صادرة عن تاجر فرنسي كان بالمدينة آنذاك، أن عدد الضحايا لم يكن يتجاوز في البداية 20 إلى 25 ضحية في اليوم، ثم هبط العدد إلى 10 و12 ليرتفع تدريجيا إلى أن بلغ 100 ضحية في اليوم في نهاية ماي، إلا أن أكبر الخسائر هي التي سجلت في بداية الشهر التالي ووصلت إلى 250 ضحية في اليوم.
وفي الجنوب، نجد أرقاما أخرى ترمز إلى فداحة الخسائر، فالقنصل الأمريكي يذكر أن الوفيات بلغت في مراكش 500 ضحية في اليوم، وتوفي بها 8 آلاف في ظرف أربعة أيام، وخلف الوباء في الصويرة 70 ضحية يوميا، وفي تارودانت بلغت 800 ضحية في اليوم، حتى أن الحامية المخزنية بالمدينة لم ينج منها سوى جنديين من مجموع 1200 جندي.
وتكشف المراسلات نفسها عن فصول مأساوية كانت تجري في هذه المدن، من ذلك أن الناس كانوا يلقون بالجثث في حفرة كبيرة، ويتركونها في العراء لتنهشها الكلاب والطيور الكاسرة.
وأمام شبح الفناء عم اليأس والاستسلام، وتهافت الموسرون على شراء الكتان لتلتف به جثثهم حينما يأتي دورهم، كما عمدوا إلى إفراغ مطاميرهم، وتوزيع ما تختزنه من أقوات على الفقراء، وتهييئها بذلك لتكون مقرهم الأخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق