بانوراما

يوميات هارب من جحيم الرصاص 6 … الهروب إلى الجزائر

محجوب بنموسى، مثقف مغربي اختار المنفى الاختياري في هولندا، هربا من جحيم الاعتقالات والملاحقات، التي طالته في منتصف الستينات وبداية السبعينات، كاتبا عاما للشبيبة الاتحادية، ومناضلا سياسيا ذا مواقف معارضة.لكن مواقفه المعارضة ستقوده إلى السجن إبان فترة محمد أوفقير وإدريس البصري، ولم ينج من ملاحقتهما إلا بعد هروبه صوب الجزائر وتونس وليبيا، ومنها إلى فرنسا، قبل أن يختار هولندا منفى له، وظل يستقر بها إلى الآن.
عاد محجوب بنموسى إلى المغرب في بداية الألفية الحالية، بعد مبادرة الإنصاف والمصالحة، لتتجدد صلته من جديد بزملائه السابقين، ممن اشتغل وإياهم في المسرح والتلفزيون والسينما. ألف بنموسى العديد من النصوص المسرحية والتلفزيونية وشارك في أعمال فنية عديدة سواء في التلفزيون أو المسرح أو السينما، كما اشتغل مقدم برامج في قنوات فضائية هولندية. في السلسلة الحالية يستحضر بنموسى ذكريات مع نضالاته في الستينات والسبعينات والاعتقال والهروب من جميع الملاحقات.

عيسى الكامحي

طرد محجوب بنموسى من معمل “سفيطا” رفقة عمال آخرين، إثر مشاركتهم في الإضراب العام، أو بالأحرى قيادتهم له، لهذا كان طردا جماعيا وغير قانوني، كما سجل المطرودون في لائحة موحدة وزعت على كل معامل النسيج بالمغرب، بغرض محاصرتهم وعدم السماح لهم بولوج معامل أخرى.
لكن بنموسى سيواصل نضاله وإصراره على مواجهة كل التحديات “رغم طردي المتعسف، إلا أنني حصلت بسرعة على وظيفة أخرى كاتبا لدى المحامي الفيلالي، الذي كان يوجد مكتبه قرب قاعة البريد، مقابلا لمحكمة الاستئناف والقصر البلدي، فالعمل بالمكتب كان مريحا نوعا معا، خصوصا بعدما اطلعت على الملفات والقضايا والمذكرات”.
ستبدأ رحلة جديدة في حياة المناضل محجوب بنموسى بعد ذلك وستتغير رأسا على عقب “وإذا بي أزاول مهمتي بمكتب المحامي الفيلالي، اتصل بي شخص طلب مقابلتي في قضية مستعجلة، فناولني رسالة خطية مقتضبة تدعوني إلى مغادرة المغرب فورا، وهي مبعوثة من قبل المناضل محمد الخصاصي، عضو اللجنة الإدارية الوطنية للحزب، والذي طلب مني وقتذاك مغادرة المغرب تجاه وهران في الجزائر، لسببين، الأول أن هناك لائحة موسعة من الاعتقالات، وسأكون لا محاولة واحدا من المعتقلين بكل تأكيد، والغرض حماية التنظيمات الحزبية، التي لم يصل إليها النظام، والسبب الثاني، وهو الأهم أن مدة غيابي لن تكون طويلة، وحددت في 3 أشهر، حينها سنعيد تنظيم الحزب بالخارج ونجلب له أسلحة جديدة وتتدرب الفرق “الكومندو” بشكل جيد، وسأتكلف بأحد الفرق والدخول إلى المغرب من جديد”.
رفض محجوب بنموسى مغادرة المغرب، تماما كما امتنع عن تطبيق الخطة المرسومة، رغم مشاورته مع بوشتى بوعسرية، الذي زكى قرار المغادرة، فالتزم الحيطة والحذر الكاملين، كما أصبح يحسب خطواته، ليتجنب الاعتقال من جديد.
ولم تمر إلا أيام قليلة حتى عاد المراسل من جديد إلى محجوب بنموسى، فهذه المرة الأمر لا يستدعي فتح باب النقاش، بل جاءت الرسالة بصيغة الإجبار “أتذكر أن المراسل قال وقتذاك، “إما غادي تخرج معايا وإما غادي تبقى في المغرب”، وأنت المسؤول عن تصرفاتك، فما كان علي إلا الامتثال إلى قرار المغادرة. أخبرت الرفيق بوشتى بوعسرية بقراري والأستاذ سالم العطاونة”.
ودع بنموسى والده على مضض، بحجة أنه وجد عملا في طنجة، فيما أخبر والدته أنه سيغادر المغرب نحو الجزائر.
وعندما وصلا إلى وجدة رفقة مرافقه، لم يجدا سوى السينما لمشاهدة فيلم فريد الأطرش، من أجل الاختباء من ملاحة البوليس، كان ذلك في 1973.
تسرب الخوف إلى بنموسى بمجرد مغادرة قاعة السينما “كانت الشوارع خالية والدكاكين مغلقة، نظر إلي مرافقي وقال “الآن دخلنا في المعقول”، الحدود كلها جيش وبوليس ولديهم أوامر بإطلاق الرصاص، انتابني الخوف، خصوصا أن الطريق، الذي سنسلكه غير مأمن، بل هو مخصص للتهريب، وتحرسه عصابات مدربة لا ترحم”.
دخل بنموسى ورفيقه إلى الجزائر عبر إحدى الضيعات الفلاحية، قبل أن تتعقبهما سيارة كانت تسير خلفهما، إلا أنهما لم يكترثا وواصلا المسير رغم الخوف والهلع، إلى أن سمعا نباح الكلاب “طمأنني رفيقي عندما قال لي إن ذلك يعني أننا قريبين من أحد الدواوير، وأهله لا يعتديان على عابري السبيل، بدأ رفيقي يدخن سيجارته، فاستغربت لأمره، خفت أن يلاحقني الأمن، فرد علي “وصلنا بسلام ونحن فوق الأراضي الجزائرية”، اقتلع أعشابا طويلة ووضعها في وسط الطريق ورجع إلى مكانه، وقال لي ستأتي سيارة وستنقلنا إلى وهران وتنتهي رحلتنا، وهو ما تم فعلا، إذ حلت بعد بزوغ الصبح وامتطيناها دون أن ننظر إلى السائق حتى”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق