fbpx
بانوراما

رد القاضي … الجمع بين المنقول والمعقول

الجدال الديني في الإسلام 5

توظيف أكثر من بعد منهجي في التعبير عن مراده من المعاني والمواقف الفكرية والتصورات الدينية

ألصقت بالمجتمعات الإسلامية مجموعة من الأحكام المسبقة التي تكرس تعصب المسلمين لعقيدتهم ورفضهم للآخر، ويدحض الباحث الأكاديمي يونس إمغران، في كتاب «رسالة راهب فرنسا ورد القاضي الباجي عليها»، كل هذه المزاعم، من خلال تحليل رسالة الراهب الفرنسي الموجهة إلى المقتدر بالله، حاكم سرقسطة، الذي يدعوه فيها إلى اعتناق النصرانية، وكيف كان رد العالم الإسلامي عليها والمنهجية التي اعتمدها في إدارة الجدال مع راهب فرنسا. نقدم عبر حلقات مقتطفات من الكتاب، الذي صدر أخيرا، وكان موضوع بحث لنيل شهادة الماستر.
عبد الواحد كنفاوي
سعى القاضي الباجي إلى تقرير الأدلة وضبط أوجه الاستنباط منها، من خلال بسط مجموعة من الاعتراضات على صاحب الرسالة، مما أسهم في تقوية حججه، وتمكين دفوعاته الشكلية والموضوعية والجوهرية من الترجيح، وخاصة عند تفنيده لألوهية المسيح، وحديثه عن بشريته، وخوفه من غواية إبليس.
ونعتقد أن الإمام الباجي قد طور علم الجدل بصورة ملحوظة حين وظف المنهجية الأصولية بمهارته الفقهية وكفاءته العلمية، مؤسسا بذلك لتفكير نقدي جديد في عصره.
ويمكن القول إن المنهج الذي اختاره الإمام الباجي في رده على رسالة الراهب الفرنسي، امتاز بالوسطية كما دأب على ذلك في أكثر من كتبه، حيث ابتعد عن التطويل المضجر، والاختصار المجحف، كما حرص على أن يوظف أكثر من بُعدُ منهجي في التعبير عن مراده من المعاني والمواقف الفكرية والتصورات الدينية، فكان بُعدُ المقارنة حاضرا بقوة بين الديانتين الإسلامية والمسيحية، سواء في مسألة وحدانية الله تعالى، أو المعجزات، أو صلب المسيح. وكان بُعدُ التأريخ ملحوظا باستعادته لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعَرْض أهم عناوينها في الجواب. ومن مميزات منهج الإمام الباجي أيضا، جمعه بين المنقول والمعقول في الجواب، فكانت الأناجيل حاضرة ببعض جملها وتفاصيل أخبارها، وكان القرآن الكريم بآياته الكريمات، مساهما في بيان الحجة، بينما كان الاتجاه العقلي، في دحض ما اعتبره الإمام الباجي فسادا نصرانيا، غالبا في مناقشته لبنوة عيسى لله تعالى، وولادته من داود النبي، وافتدائه للبشر بدمه، وصراعه مع إبليس اللعين.
لقد استعان القاضي أبو الوليد الباجي – عند كتابته لجوابه – بفن المناظرة بمنحاها القرآني، فاستحضر كتابه “المنهاج في ترتيب الحجاج” في مخاطبة الراهب من جهة، وفي مناقشة مضامين الرسالة من جهة ثانية، إذ أقبل على كلام راهب فرنسا متأدبا، وقرأه بإمعان، ولم يجب عنه إلا بعد أن أدرك أنه يتكلم في ما وقع له علم به، كما أنه لم يتكلم إلا عن المقصود من كلام الراهب، ولم يتعرض لما لم يقصده.

جـدال
كان الإمام الباجي حريصا في مرات كثيرة على إبداء لطفه وتأنيسه للراهب، بل والمبالغة في الرفق به، ودعا له بالنجاة، بالإسلام، من نار الجحيم، غير أن وقوف الباجي في كتاب الراهب على “التناقض وفساد الوضع ومستحيل القول” دفعه في بعض الأحيان إلى تغليظ رده عليه، والنيل منه، ولكن، بما لا يخدش حياء، ولا يجافي خلقا، ولا يجانب صوابا، حيث اتهمه بقلة العلم، والبعد عن مقاصد المناظرة، وترك المدارسة والمحاورة، واللجوء إلى التلفيق والتمويه، والتعلق بالمغالطة والكذب. ونعتقد أن الإمام الباجي لجأ إلى هذا القول الشديد والقاسي لاقتناعه بأنه من صميم الجدل الذي يُعَرِّفه في كتابه “المنهاج…” أنه “تردد الكلام بين اثنين قصد كل واحد منهما تصحيح قوله وإبطال قول صاحبه”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى