fbpx
ملف الصباح

القيادات الجديدة دليل عقلانية في السلوك السياسي

 

أتلاتي قال إن الكفة أصبحت تُرجح لصالح القائد القادر على الإقناع والاستقطاب

أكد طارق أتلاتي، رئيس المعهد المغربي للدراسات والأبحاث الإستراتيجية أن ظهور وجوه جديدة لا يعتبرا دليلا على انتصارا للشعبوية وتراجع للعقلانية، إذ في هذا التوصيف تبخيس لذكاء المناضلين الحزبيين ولاختياراتهم، بل واحتقار لملكات القيادات الجديدة وقدرتها على التعبئة وحشد الأتباع بقوة الإقناع.  وذهب الأستاذ الباحث في حوار مع الصباح إلى القول إن اختيار تلك النوعية من القيادات يُشكل بداية لظهور عقلانية جديدة في السلوك السياسي، وعقلانية أكبر في تقييمه من طرف الناخب والمناضل الحزبي.  وأوضح أتلاتي أنه إضافة إلى أن زمن القيادات التاريخية التي انتهت بنهاية صلاحياتها أو بظهور موارد شرعية جديدة، قد ولى، فإن  بداية انقلاب الكفة أصبح اليوم لصالح القائد القادر على الإقناع والاستقطاب والاستمالة بكل الأدوات والتقنيات التقليدية منها والحديثة.

 أبرز ما يُميز المشهد الحزبي في الوقت الراهن تولي زعماء جدد مسؤولية رئاسة عدد من الأحزاب، في الوقت الذي كان انتخاب الأمناء العامين يخضع طيلة عقود  من الزمن لمنطق التوافقات، كيف تقيمون هذه المسألة؟
  الشيء المؤكد أن المغرب يمر بأزمة مرحلية يفرزها التّحول السياسي نتيجة الانتقال الديمقراطي الفعلي، وبصفة خاصة بسبب الأزمة في النسق الحزبي، فينبغي استحضار السياق الذي جاء بالتحولات الداخلية للأحزاب لكي تصل إلى مرحلة الانتقال من التوافق حول الزعيم إلى تجسيد نوع من الممارسة الديمقراطية،   والذي في شكله الجزئي أفرز حقائق مخالفة للأشكال والصور النمطية التي كانت تُفرزها هذه الأحزاب خاصة التاريخية منها، فكل المؤتمرات الحزبية التي سبقت الحراك المجتمعي الذي عرفه المغرب كانت تتميز بغياب الحكامة في البناء المؤسساتي الواقعي لهذه الأحزاب من جهة، ومن جهة أخرى غياب الممارسة الديمقراطية بالمفهوم الصحيح، والتي كانت تجعل المؤتمرات التي تُعقد مجرد تحصيل حاصل للمتفق عليه سواء في العلن أو عن طريق الكولسة، إذ بالإضافة إلى الهياكل المحلية والإقليمية   والجهوية والوطنية للحزب، فإن منصب الأمين العام كان يعرف طقوسا أقرب إلى طقوس الزوايا بمنطق الشيخ والمريد، بل من زاوية أخرى كانت تأخذ منطق الولاءات بالتراضي جبرا للخواطر ودرءا للانشقاقات الحتمية.
من هذا المنطلق، فإن أفضال الحراك الاجتماعي وخطاب جلالة الملك لمناسبة تاسع مارس بدت واضحة في تكريس التحولات الكبرى دستوريا و سياسيا، بل وأيضا حزبيا من منطلق الإيمان بالمرحلة، وما تُفرزه من توجهات تتجاوز منطق التوافقات المبني على الاقصاء والتهميش.
 هل تعتقدون أن انتهاء زمن الزعامات التاريخية شجع على بروز قيادات جديدة، أم أن للأمر صلة بانخراط  بعض الأحزاب الكبيرة فعليا في سيرورة الدمقرطة التي دفعتها إلى خيار الانتخاب الديمقراطي للزعيم؟
 بالأمس القريب، كان المتتبعون والمراقبون والمواطنون، يستغربون ويستنكرون أن تبقى الوجوه نفسها على رأس الأحزاب الوطنية، بكافة تلويناتها ومرجعياتها سواء اليمينية أو اليسارية أو الوسطية على حد سواء، وكلما حل موعد مؤتمر حزب إلا   وتكون القناعة الراسخة لدى الجميع أنه سيُعاد انتخاب الرئيس نفسه والأمين العام نفسه بدعوى ألا بديل عنه، وأنه يتمتع بشخصية كاريزماتية، أو لأن الإشارات العليا هي التي فرضته على الحزب لأنها ترغب فيه.
أمام هذه الحالة غير العادية التي عاشتها قيادات الأحزاب المغربية، كان الجميع يؤمن أن المرض العضال أو الموت الطبيعي هما الكفيلان بإسقاط زعامات هذه الأحزاب، وبالتالي الحديث عن التنحي نتيجة الفشل التدبيري في إطار احترام القواعد الديمقراطية لم يكن إلا ضربا من الخيال السياسي.
اليوم، يبدو أن الجميع لم يستسغ كيف أن مناضلين  “عاديين”، أصبحوا أمناء عامين لأحزاب عريقة، رغم أن أجواء المؤتمرات الحزبية أصبحت تجري في ظروف يتوفر فيها (على الأقل) الحد الأدنى من الشفافية والديمقراطية، ولم يعد هناك مجال للتشكيك بأن جهات تدخلت في اختيار أمين عام حزب معين. بهذه الرؤية بات الجميع مؤمنا أن الأحزاب المغربية قد فقدت فعلا مفهوم الزعامات القوية والكاريزماتية التي أسست لعقود لصور نمطية أرقت المناضلين وأرهقت الطامحين، وكسرت الصورة الديمقراطية للمرجعية.
 كيف تُقيمون انعكاس ظاهرة الزعماء” الشعبويين” على مستقبل العمل الحزبي والسياسي بالمغرب؟
 أولا، ينبغي توضيح أن إلصاق “الشعبوية” بمدلولها “القدحي” بعدد من القيادات الحزبية في المرحلة الراهنة ينطوي في جانب مهم منه على عدم استيعاب للتغيرات القائمة على مستوى تجدّد النخب الحزبية والسياسية، بشكل عام، والرغبة في بقاء الأمور على حالها، بل و عدم فهم التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب من جهة   وسوء تقدير مجريات الأحداث من انطلاق الحراك المجتمعي الأخير.
وأعتقد أن هذه النخب الصاعدة حاليا استطاعت أن تبلور خطابا تواصليا جديدا تمكّنت من خلاله أن تنفذ إلى المجتمع الذي لم يتعود من قبل على أساليب تواصلية تقترب منه أكثر ويتفاعل معها عن كثب.
إن هذه النخب الجديدة تجاوزت بخطابها ذاك أزمة التواصل السياسي التي طبعت لعقود مضت علاقة الأحزاب والنخب الحزبية  بالمجتمع، كما أن النخب المراهن عليها حاليا جاءت بسبل انتخابية وقانونية تعكس رغبة الناس في التغيير وفي سياق سياسي واجتماعي متحوّل.
 ويبقى السبب الرئيسي لفرز نخب جديدة على رأس أحزاب تاريخية هو أن الساحة السياسية لم تعد تقبل الجمود المفروض حتى في شقه القيادي، والذي كاد أن يؤدي إلى دخول المجتمع المغربي حالة اللاتسيس الناتج عن انعدام الثقة لدى المواطن لإيمانه بالصور النمطية للأحزاب بقياداتها في استنساخ التجارب دونما أدنى رغبة في مسايرة التحولات.
فعلى عكس بعض المواقف التي تطغى عليها الانتهازية واحتكار التاريخ، فظهور وجوه جديدة ليس انتصارا للشعبوية وتراجعا للعقلانية، ففي هذا التوصيف تبخيس لذكاء المناضلين الحزبيين ولاختياراتهم، بل واحتقار لملكات القيادات الجديدة وقدرتها على التعبئة وحشد الأتباع بقوة الإقناع. ذلك ما يجعلنا نقول إن اختيار تلك النوعية من القيادات يشكل بداية لظهور عقلانية جديدة في السلوك السياسي، وعقلانية أكبر في تقييمه من طرف الناخب والمناضل الحزبي.  من الطبيعي أن تكون للعصر قياداته بمميزاتها، كما من الطبيعي أن تثور القواعد الحزبية وترفض استمرار ذات المواصفات التقليدية ذاتها في شخص القائد السياسي، فنجوم السياسة بدورهم، لابد لهم كنظرائهم في الرياضة والسينما وكل الفنون من توفرهم على مهارات وقدرات إبداعية تُعينهم في الإقناع والتواصل، ولذلك لم يعد قيادي الأمس هو قياديي اليوم.

 

مضى زمن القيادات التاريخية

أكيد أنه مضى زمن القيادات التاريخية التي انتهت بنهاية صلاحياتها أو بظهور موارد شرعية جديدة، لكن أيضا بداية انقلاب الكفة لصالح القائد القادر على الإقناع والاستقطاب والاستمالة بكل الأدوات والتقنيات التقليدية منها والحديثة. كل تلك القيادات ينتظرها الكثير داخل تنظيماتها، فما ينتظر لشكر أشبه بكثير بما ينتظر شباط وحتى  بنكيران في الحكومة، فكل الأحزاب لم تستوعب بعد التحولات في محيطها، بل الرأي العام بدوره بكل فئاته، وحتى مثقفيه يجد نفسه خارج فهم ما يجري من تحولات تحول دون استيعاب أننا نعيش مرحلة التغيير وبكيفية متسارعة نحو الحداثة السياسية بكل تجلياتها. تلك تطورات فرضت قيادات بمواصفات جديدة دون أن تكون بالضرورة تلك “الشعبوية” المفترى عليها.
أعتقد أن المغاربة اليوم يتتبعون حلقة من سلسلة مستمرة منذ سنوات لصورة الصراع بين الأجيال داخل الأحزاب السياسية وظاهرة إصرار نخب قديمة على الاستمرار ضدا على القوانين السوسيولوجية لتطور المجتمعات والمؤسسات، وهي الظاهرة غير العادية وغير المقبولة، بل إن العديد من الزعماء الحزبيين في المغرب لم يستوعبوا جيدا تكامل الملك والشعب والذي غابت عنه مواقف الأحزاب، ولم يلاحظوا أن الجيل المحتج قطع مع الماضي، وأن له رؤية سوداء سيكولوجيا لكل ماهو مرتبط بالماضي وزعاماته نتيجة تراكم الأحداث منذ سنوات، مما يُظهر أننا أمام زعامات سياسية قديمة لا تفكر بمنطق مطالب توازنات الدولة الجديدة التي تقتضي تغيير نمط اشتغال البنية الحزبية الحالية.

في سطور

 أستاذ باحث في العلوم السياسية  : طارق أتلاتي
 رئيس وحدة اللاتركيز الإداري بماستر الحكامة المحلية (كلية الحقوق المحمدية)
له عدة أبحاث ودراسات وشارك في عدة ملتقيات فكرية وعلمية وسياسية

أجرى الحوار: جمال بورفيسي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى