fbpx
ملف الصباح

بنكـيـران… لاعـب البيليـاردو

في علم الفيزياء، نظرية يطلق عليها «الشاوس تيوري»، هي من أحدث النظريات الرياضية الفيزيائية، وتسمى أيضا نظرية الفوضى، التي تتعامل مع موضوع الديناميكية اللاخطية التي تبدي نوعا من السلوك العشوائي يطلق عليه «الشاوس». وعلاقة بالفوضى دائما، برهن علماء الفيزياء (نظرية جاك أدامار) كيف أن التوقع في حد ذاته يصبح بلا فائدة. والمثال الشهير عن هذه النظرية هو كرات البلياردو، وكيف أننا لا نستطيع التنبؤ الدقيق باتجاهاتها عندما تصطدم ثلاث منها على الطاولة. رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، ليس غريبا عن الفيزياء ولا عن نظرياته، فقد اشتغل أستاذا لمادة الفيزياء، في المدرسة العليا للأساتذة بالرباط، وخبر تفاصيل الفيزياء السياسية بالمغرب، حتى أنها أوصلته إلى رئاسة الحكومة، بعد أن تقدم حزب العدالة والتنمية نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة.
سلوك بنكيران السياسي، إبان المعارضة، لا يختلف كثيرا عن النظرية الفيزيائية «الشاوس»، فالرجل ظل يضرب في كل الاتجاهات، ويرسل الإشارة ونقيضها، في الآن نفسه، دون أن يتنبأ باتجاهات هذه الإشارات، كما هو شأن نظرية «أدامار»، حين تصطدم بالجهة المقصودة. هاجم الأحزاب السياسية، وعاد ليصالحها، قاوم تنفذ السلطة والتحكم ضد حزبه، وخلق آلة كلامية مدمرة هلكت خصومه السياسيين، حتى أن شظايا هجومه تطايرت لتطول محيط المؤسسة الملكية نفسها، قبل أن يعوذ ليعتذر عن سوء الفهم.
يوم انتخاب عبد الإله بنكيران، أمينا عاما للعدالة والتنمية، في المؤتمر ما قبل الأخير، علق أحد رفاقه في الحزب على انتخابه قائلا: «الله يخرج هاذ الولاية على خير». كان الجميع يدرك أن بنكيران ليس كسلفه سعد الدين العثماني، وأن خرجاته قد تجر على الحزب مشاكل مع القصر والأحزاب معا. لم يخطئ المتخوفون توقعاتهم، غير أن بنكيران استطاع أن يخرج حزبه من عنق الزجاجة، بعد أن فطن إلى أن قواعد العمل السياسي لا تختلف كثيرا عن قواعد الفيزياء النظرية، وأن «الفوضى الخلاقة» يمكنها أن تغير قواعد اللعب لصالحه، وهو ما تحقق فعلا، فقد فاز الحزب بأول انتخابات بعد الدستور الجديد، وحاز بنكيران رئاسة الحكومة، دون أن يتخلى عن هويته الفيزيائية، بتوجيه الضربات إلى خصومه السياسيين، دون توقع نتيجتها..

إحسان الحافظي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى