fbpx
خاص

سيدي يوسف بن علي تحت الحصار

تنقل تفاصيل يومين من المواجهات بين محتجين ورجال أمن خلفت عشرات المصابين وملتحون في قفص الاتهام


عاد الهدوء، تدريجيا، إلى حي سيدي يوسف بن علي بمراكش، أمس (الأحد)، بعد حلول لجنة أمنية تتكون من عناصر من المديرية العامة للأمن الوطني، إثر مواجهات دامية شهدتها مقاطعة سيدي يوسف في اليومين الأخيرين، فيما أفرجت
مصالح الأمن بمراكش عن 73 معتقلا، ضمن 85 معتقلا، وأبقت على 12، بينهم بعض متزعمي الأحداث.

 

عاش حي سيدي يوسف بن علي، منذ الجمعة الماضي، وعلى مدى ثلاثة أيام، أحداثا وصفت بـ»الخطيرة»، بعدما تحولت وقفة احتجاجية نظمها سكان الحي ضد الوكالة المستقلة لتوزيع الماء والكهرباء «راديما»، بسبب غلاء فواتير الماء والكهرباء إلى مواجهات دامية بين المحتجين وقوات الأمن.
مسيرة واحتفالات
فمباشرة بعد صلاة الجمعة، تجمع مئات من سكان حي سيدي يوسف بجوار وكالة «راديما» عازمين على تنظيم مسيرة احتجاجية صوب ساحة جامع لفنا، إلا أن قوات الأمن الوطني تصدت لهم، على اعتبار حساسية توقيت المسيرة، الذي يتزامن مع احتفالات أعياد الميلاد، واستقبال المدينة لمجموعة من زوارها من شخصيات عربية وعالمية.
 ولم تتمكن السلطات المحلية من ثني المحتجين عن العدول على قرارهم لتعرف المنطقة أسوأ وأخطر اصطدام بين السكان وقوات الأمن. وكانت شرارة الاحتجاجات بدأت السنة الماضية عندما رفض السكان أداء فواتير الماء والكهرباء بدعوى إنها باهظة الثمن. وتحولت سلسلة من الاحتجاجات إلى أعمال عنف غير مسبوقة شهدها حي سيدي يوسف بن علي قبل ثلاثة أيام.

هدوء وحذر
ويسود هدوء يطبعه الحذر، منذ صباح أمس (الأحد)، هدوء بمقاطعة سيدي يوسف بن علي، بالضبط بساحة المصلى وشارع المدارس والفضاء المجاور لمقر وكالة سيدي يوسف لتوزيع الماء والكهرباء ومقر المقاطعة، في ظل تعزيزات أمنية كبيرة بمحيط الحي.
وعاينت «الصباح» العشرات من سيارات الأمن الوطني والقوات العمومية وسيارات الإسعاف ترابط منذ يومين بجوار التجمعات السكنية، فيما تتحدث بعض المصادر عن عملية تمشيط واسعة النطاق تقوم بها قوات الأمن بأزقة وحواري حي سيدي يوسف متعقبة بعض العناصر المبحوث عنها، خاصة بدرب الكبص درب العساس وشارع حمان الفطواكي وغيرها من الأزقة التي يتخذها بعض المحتجين انطلاقة لمواجهتهم لقوات الأمن.
وفي السياق ذاته، قالت مصادر «الصباح» إن احتقانا يسود مختلف أزقة ودروب سيدي يوسف بن علي، إذ أغلقت مختلف المحلات التجارية أبوابها، بسبب ما يشهده الحي من أحداث دامية، وتسجيل إصابات في صفوف القوات العمومية والمحتجين، انتهت باعتقالات واسعة في صفوفهم، وعلمت «الصباح» أن تعزيزات أمنية كبيرة، وصلت في الساعات الأولى من صباح أمس (الأحد) ترقبا لكل الطوارئ.
 
تحت الحصار
وعمدت السلطات الأمنية إلى تطويق جل المنافذ المؤدية إلى حي سيدي يوسف بن علي القديم، بوضع حواجز أمنية ومدرعات أمام شارع المصلى المدخل الرئيسي للحي، المعروف بكثرة أزقته ودروبه الضيقة، استعدادا لمواجهة أي تحرك احتجاجي.
وكشف مصدر مطلع على أن إصابات بليغة سجلت في صفوف المحتجين بعد التدخل العنيف لرجال الأمن، نقل بعضهم في حالة خطيرة إلى المستشفيات العمومية، فيما بلغ عدد المصابين في صفوف رجال الأمن والقوات العمومية أزيد من 83 عنصرا (34 رجل أمن و49 من قوات حفظ الأمن).
وقال إن الحصيلة الأولية للمواجهات تتمثل في تخريب مقر وكالة الماء والكهرباء وسيارة للأمن.

اقتحام مخفر شرطة
وأقدم محتجو «راديما» اقتحام مخفر الشرطة بساحة المصلى بحي سيدي يوسف بن علي، بعدما هاجموا قوات الأمن بالحجارة وقاموا بنزع بابه، وعاينت «الصباح» عناصر التدخل السريع والقوات العمومية في حالة فرار من المحتجين، كما وقفت على عملية سرقة صدرية أحد عناصر الأمن الوطني، والتي كان يلوح بها أحد المحتجين.

«راديما» توضح
وقال مسؤول بالوكالة المستقلة لتوزيع الماء والكهرباء، إن «راديما» نفذت جل مطالب السكان المدرجة، في وثيقة الاتفاق الذي وقع السنة الماضية بين أطراف اللجنة المختلطة التي ضمت ممثلي المجتمع المدني بمراكش والسلطات المحلية، والمتعلقة بسلسلة من الإجراءات الاستعجالية الهادفة إلى تخفيف عبء فواتير الكهرباء على أسر بالمدينة.
وأضاف المصدر نفسه أن تسهيلات منحت لأداء ما بذمة 16 ألف عائلة معوزة تمتد إلى 24 شهرا وبيع وتركيب أكثر 50 ألف مصباح ذي الاستهلاك المنخفض بثمن مدعم حدد في 8 دراهم بدل قيمته الحقيقية المحددة في 17 درهما، واستفادة سكان سيدي يوسف بن علي، وحدهم، من 6 آلاف مصباح.
وأكد المصدر ذاته أن 30 ألف زبون استفادوا من العدادات الإضافية، والربط الاجتماعي لتحديد الاستهلاك الخاص بكل أسرة، ووضع آليات للتحقق من وصولات الأداء، كما تم تخفيض إتاوات الكهرباء بنسبة 50 في المائة لذوي الدخل المحدود.
كل هذه الإجراءات، يؤكد المسؤول نفسه، تبين التزام «راديما» بتفعيل الاتفاق السالف الذكر الذي كلف خزينة الوكالة 20 مليار سنتيم، إضافة إلى 10 ملايير سنتيم مستحقات عالقة في ذمة الزبناء، منها 3 ملايير خاصة بسكان سيدي يوسف بن علي.
وأكد المصدر نفسه أن الحكومة الحالية سبق لها أن اتخذت إجراء مهما يراعي مطالب السكان، والمتعلق بمراجعة الضريبة على السمعي البصري للزبناء الذين لا يفوق استهلاكهم 20 كيلو واط. أما بخصوص مطلبي حذف الأشطر الثالث والرابع، ومسألة إعادة النظر في التسعيرة، فقد رفعت «راديما» ملتمسا إلى الحكومة بخصوصهما.
واعتبرت الوكالة المستقلة لتوزيع الماء والكهرباء «أن باب الحوار كان ولازال مفتوحا مع سكان سيدي يوسف بن علي من أجل التوصل إلى دفعة جديدة من الاقتراحات، والتي لاشك أنها ستعزز الثقة بين الوكالة وسكان مــــــــــــــــراكش».

مراكشيون مستاؤون
وأبدى سكان بمراكش استياءهم من تطور الأحداث التي عرفتها منطقة سيدي يوسف بن علي، وأجمعت كل التصريحات التي استقتها «الصباح» عن رفضها القاطع لتطور الأحداث إلى العنف والتخريب وإتلاف الممتلكات،  ودعوا إلى ضرورة التحلي بالحذر من الدعوات الغريبة التي تذكي العنف المجتمعي، والتقت مختلف التصريحات في كون فواتير «راديما» باهظة التكلفة، وحبذوا فكرة الحوار الجاد من أجل تخطي الأزمة.
وقال أحد سكان حي سيدي يوسف بن علي إنه ضد اللجوء إلى العنف كحل للأزمة، داعيا إلى عدم الانجراف وراء بعض الجهات التي تحاول خلق البلبة وزرع الفتن، فيما قالت امرأة لـ»الصباح» إن  أسعار استهلاك الماء والكهرباء خلال  الأشهر الثلاثة الأخيرة تجاوزت الحد المعقول، في حين أكدت صديقتها، الفاعلة الجمعوية، أنها حضرت بعض اجتماعات المجتمع المدني مع أطر «راديما»، مطالبة رئيس الحكومة بإعادة النظر في تكلفة الماء والكهرباء.
اقتلاع عدادات
وأكد شهود عيان من سكان حي سيدي يوسف بن علي، في تصريح لـ»الصباح»، أن أشخاصا أغلبهم من الملتحين اقتلعوا حوالي 150 عدادا تابعة لـ»راديما» قرب جامع بنقدور بدرب محماد العساس ودرب بوعلام، كما استعملوا عربة مجرورة لنقل العدادات من أجل تسليمها إلى الوكالة.
 وأوضح  المصدر نفسه أن أولئك الأشخاص فكروا في إحراق مولد الكهرباء الرئيسي بحي سيدي يوسف حتى يعم الظلام ويستحيل على رجال الأمن أو غيرهم دخول الحي ليلا، الأمر الذي لم تستطع «الصباح» التأكد منه.
وأكدت مصادر عليمة أن التدخل الأمني استعملت فيه خراطيم مياه لتفريق المحتجين، واصفة أحداث الأمس بالعنيفة بالنظر لتبادل الرشق بالحجارة بين بعض المحتجين، ورجال الأمن، فضلا عن حالة الفلتان الأمني التي عاشتها المنطقة وخروج الوضع عن السيطرة، بعد التحاق منحرفين وجدوا في الأمر فرصة لتنفيذ مخططاتهم الإجرامية.
اقتحام مؤسسات تعليمية
وما إن انطلقت الاحتجاجات بحي سيدي يوسف بن علي، حتى اقتحم المئات من الأشخاص المؤسسات التعليمية بشارع المدارس، بما فيها الإعدادية التأهيلية يعقوب المنصور.
 وأجبر المحتجون التلاميذ وهيأة التدريس على مغادرة الحجرات الدراسية، والالتحاق بالمحتجين، ما استنكرته مجموعة من الفعاليات بالمدينة، ووصفت الأمر بالخطير للغاية.
وتوقفت الدراسة، صباح أول أمس (السبت)، بكل المؤسسات التعليمية التابعة لمقاطعة سيدي يوسف بن علي، إجراء احترازي اتخذه نائب وزير التربية الوطنية بمدينة مراكش، لتفادي أي نتائج وخيمة قد تترتب عن الوضع الذي مازال يغلب عليه التوتر بين المحتجين وقوات الأمن.

الوالي يحل بسيدي يوسف
وحل محمد فوزي، والي جهة مراكش تانسيفت الحوز، أول أمس (السبت)، بحي سيدي يوسف بن علي، كما عقد لقاءات مع برلمانيين وقيادات محلية حزبية، إضافة إلى بعض الجمعيات العاملة ضمن المجتمع المدني.
وتأتي هذه اللقاءات، حسب مصادر مطلعة، في إطار محاولة السلطات المحلية احتواء الوضع، وتدخل كل المعنيين من أجل إيجاد مخرج للوضعية القابلة للتصعيد، خصوصا بعد استمرار بعض المناوشات المحدودة بين القوات الأمنية التي رابطت في عين المكان منذ زوال يوم الجمعة الماضي، كما أن لقاء جمع النائب البرلماني يونس بنسليمان المنتمي لحزب العدالة والتنمية مع بعض المحتجين بحي سيدي يوسف بن علي في محاولة لتقريب وجهات النظر حول بعض المشاكل المرتبطة ببنود الاتفاق الذي أبرم بين المحتجين وإدارة «راديما» في عهد الوالي السابق، ولم يتم الالتزام به من طرف المؤسسة المذكورة حسب تصريحات المحتجين.

منتخبون يفسرون أحداث سيدي يوسف

قال عبد السلام السيكوري، الكاتب الجهوي لحزب العدالة والتنمية بمراكش، إن المشاكل تحل بالحوار، و«راديما» نفذت مجموعة من بنود الاتفاق مع السكان، مضيفا أن الحزب ضد كل أشكال العنف ّأي كان مصدرها، والأمر نفسه أكده العربي بلقايد النائب البرلماني عن حزب «البيجيدي»، في اتصال مع «الصباح»، مضيفا أنه من غير المعقول استغلال الأطفال في الاحتجاجات عبر تسخير تلاميذ المؤسسات التعليمية وإقحامهم في أمور لا علاقة لهم بها، فيما قال يونس بنسليمان إنه التقى سكان سيدي يوسف من المحتجين ومجموعة من جمعيات المجتمع المدني أصدرت بيانا وضحت من خلالها موقفها من الأحداث التي عرفها حي سيدي يوسف، داعيا الجميع إلى ضرورة ضبط النفس والتحلي بالحكمة من أجل الخروج من الأزمة.
من جهتها، قالت زكية لمريني، من حزب الأصالة والمعاصرة ورئيسة مقاطعة كليز، إن مطالب سكان حي سيدي يوسف بن علي مشروعة، داعية إلى عقد لقاءات مع «راديما» وضرورة الجلوس إلى طاولة الحوار لإيجاد الحلول الناجعة لتجاوز هذا الوضع، بعيدا عن العنف.
ومن جانبه، أكد بلكوري، نائب الكاتب الجهوي لحزب الاتحاد الاشتراكي، أن «راديما» نفذت جميع التزاماتها مع السكان، واصفا ما جرى بأنه مفبرك، وأن هناك جهات تسعى إلى خلق الفتنة والبلبلة بالمدينة، داعيا إلى ضرورة توخي الحيطة والحذر، مؤكدا أن هناك من يسعى إلى تصدير الأزمة إلى مؤسسة «راديما».
وفي السياق ذاته، أكد محمد البنا، نائب المنسق الجهوي لحزب الاتحاد الدستوري، أن ما عرفه حي سيدي يوسف بن علي جاء نتيجة تغليط السكان من طرف بعض المنتخبين الذين روجوا إشاعة أن بعض البرلمانيين والمحسنين سيؤدون الواجبات الشهرية لاستهلاك الماء والكهرباء، مضيفا أن هناك بعض الذين يسترزقون بخلق الأزمات ومن بينها خلق أزمة «راديما»، مبرزا أن الوالي السابق وسياسته ساهما في الوصول إلى الوضع المذكور.
واعتبر خالد الفتاوي، عضو مجلس المدينة، أن المقاربة الصحيحة لمعالجة مشكل سيدي يوسف بن علي تظل هي الحوار بعيدا عن المقاربة الأمنية، عبر مراجعة أثمنة الكهرباء ونظام الأشطر، مبرزا أن الأمن الحقيقي يظل هو الأمن الاجتماعي والاقتصادي مع إشراك الفاعلين الجمعويين والوداديات في الوصول إلى حل ناجع، مؤكدا في الوقت نفسه أن ما حدث هو نتيجة التسيير العشوائي بـ»راديما».

نبيل الخافقي- تصوير عبد الرحمان المختاري (مراكش)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى