fbpx
حوادث

دراسة في القانون : التعارض في مدونة السير

 

بين نص المادة 167 ومقتضيات الفصل 433 من القانون الجنائي

من خصائص القاعدة القانونية هي أنها قاعدة ملزمة، ولتحديد مدى القوة الإلزامية لها من حيث الزمن، فإن البحث ينصب على التاريخ الذي يدخل فيه القانون حيز التطبيق، والذي يتم،
حسب ما هو متعارف عليه من الناحية الفقهية، بالمصادقة عليه ثم نشره،
 وهما عمليتان منفصلتان عن بعضهما ولا يختلطان في ما بينهما.

تتجلى المصادقة على القانون في الأمر الذي يصدره الملك، وفق الفصل 50 من الدستور، والذي يشهد بمقتضاه على شرعية القانون ويأمر بنشره وتنفيذه. وابتداء من تاريخ المصادقة على القانون، فإنه يصبح قابلا للدخول حيز التطبيق، إلا أن عملية تنفيذ القانون بصفة فعلية على المواطنين لا تصبح إلزامية إلا بعد تبليغه لهم، وتتم عملية التبليغ بصدور القانون عن طريق النشر بالجريدة الرسمية . وبمجرد وقوع عملية النشر يصبح القانون ساري المفعول.
إلا أن تقرير ما ذكر ليس سهلا، كما يتبادر إلى الذهن، بل إن الأمر قد يتطلب في بعض الحالات إجراء بحث عميق لمعرفة متى يبدأ تطبيق القانون بصفة فعلية من جهة، والحالات التي يطبق عليها من جهة ثانية.
فمن حيث تحديد تاريخ تنفيذ النص الجديد، فإن احترام مبدأ الأثر الفوري لتطبيق القانون يقتضي البدء في العمل بهذا القانون بمجرد القيام بعملية النشر بالجريدة الرسمية. إلا أنه في بعض الأحوال قد ينص القانون نفسه على تأجيل العمل بمقتضياته إلى تاريخ محدد، كحالة الفصل 28 من ظهير 2 أكتوبر 1984 المعتبر بمثابة قانون يتعلق بتعويض المصابين في حوادث تسببت فيها عربات برية ذات محرك، والذي أكد بصريح العبارة أنه لا يبدأ العمل بمقتضيات الظهير إلا ابتداء من 1 دجنبر 1984. أو لأجل لاحق يحدد مداه، كالقانون رقم 18.01، المعدل لبعض فصول ظهير 6 فبراير 1963 المنظم لحوادث الشغل، والذي نص في فصله الرابع على أن التعديلات التي جاء بها لا تدخل حيز التطبيق إلا بعد مرور 3 أشهر من تاريخ النشر في الجريدة الرسمية.
 والمشرع عندما يلجأ إلى عملية تأجيل العمل بالقانون الجديد فإنه يأخذ بعين الاعتبار:
 – ما قد يتطلبه تنفيذ القانون من اتخاذ إجراءات عملية أو نصوص تنظيمية تحدد المقتضيات التي لم يتطرق لها القانون، على اعتبار أن هذا القانون يحدد المبادئ العامة ويترك التفاصيل للمجال التنظيمي ؛
– الآثار التي قد يحدثها النص القانوني على المجال الذي جاء لتنظيمه، ولذلك فإن المشرع ينص في صلب القانون نفسه على تأجيل تنفيذه ليتمكن المعنيون بتطبيقه من اتخاذ الترتيبات الضرورية تدفع عنهم أي انعكاسات سلبية.
 ومن المعلوم فقها وقضاء أن إلغاء أو نسخ أو تعديل القوانين يتم من إما صراحة أو بشكل ضمني، وهو ما أكده المشرع في الفصل 474 من قانون الالتزامات والعقود، والذي جاء فيه ما يلي :
 »لا تلغى القوانين إلا بقوانين لاحقة، وذلك إذا نصت هذه صراحة على الإلغاء، أو كان القانون الجديد متعارضا مع قانون سابق أو منظما لكل الموضوع الذي ينظمه.«
 وقد دخلت مدونة السير على الطرق، والمحدثة بمقتضى القانون رقم 52.05، والذي تمت المصادقة عليه بنص الظهير رقم 1.10.07 المؤرخ في 11 فبراير 2010، حيز التطبيق بتاريخ 1 أكتوبر 2010، طبقا لنص المادة 318 من المدونة.
 وتنص هذه المدونة في مادتها 167 على ما يلي :
 »كل سائق ثبتت مسؤوليته عن حادثة سير وتسبب للغير، نتيجة هذه الحادثة، عن غير عمد، بعدم تبصره أو عدم احتياطه أو عدم انتباهه أو إهماله أو عدم مراعاته لأحد التزامات السلامة أو الحيطة المقررة في هذا القانون أو في النصوص الصادرة لتطبيقه في جروح أو إصابة أو مرض، ترتب عليها عجز مؤقت عن العمل لمدة تفوق واحدا وعشرين (21) يوما، يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى سنتين وبغرامة من ألف ومائتين (1.200) إلى ستة آلاف (6.000) درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط. «
 بينما ينص الفصل 433 من القانون الجنائي على ما يلي :
«من تسبب، بعدم تبصره أو عدم احتياطه أو عدم انتباهه أو إهماله أو عدم مراعاته النظم أو القوانين، في جرح غير عمدي أو إصابة أو مرض، نتج عنه عجز عن الأشغال الشخصية تزيد مدته على ستة أيام، يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى سنتين، وغرامة من مائة وعشرين إلى خمسمائة درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط».
فالمقتضيات التي جاءت بها المادة 167 من مدونة السير على الطرق تتعارض مع تلك التي ينص عليها الفصل 433 من القانون الجنائي، سواء من حيث طبيعة النتيجة الناجمة عن الجرم غير العمدي، برفع مدة العجز عن العمل من 6 إلى 21 يوما، أو في ما يتعلق بالعقوبة المالية بجعلها تتراوح بين 1.200,00 و6.000,00 درهم، بدلا من 120,00 إلى 500,00 درهم.
ومن المسلم به أنه يفترض في المشرع الحكمة والرزانة، وبالتالي فإنه من غير المستساغ قبول فكرة أنه يقنن مقتضيات يتعارض بعضها مع بعض، كما هو الحال بالنسبة للجريمة المنصوص عليها في الفصل 433، والتي تتعارض في بعض مقتضياتها مع نص المادة 167، مما يكون معه التأويل الذي قد يعطى لمثل هذه الحالة هو الذي يكون من شأنه أن يخرق نية المشرع.
بقلم : عمر الخيراوي : نقيب سابق لهيأة المحامين بسطات
نائب رئيس جمعية هيآت المحامين بالمغرب سابقا

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى