fbpx
حوادث

فتـوخ: الشفعة في ضوء توجهات محكمة النقض 2/3

الأولوية في الإيداع لا تخول دائما لصاحب الطلب حق الأولوية في التقييد (3/2)

جدير بالذكر أن محكمة النقض اعتبرت في قرارها الصادر بتاريخ 12 يناير 2016، أن التعرض على مطلب التحفيظ طلبا للشفعة، لا يمنع من إقامة دعوى مبتدئة بها أمام المحكمة ذات الولاية العامة، كما هو واضح من خلال حيثياته كالتالي:
“حيث صح ما عابه الطاعن على القرار، ذلك أن التعرض على مطلب التحفيظ طلبا للشفعة لا يمنع من إقامة دعوى مبتدئة بها أمام المحكمة ذات الولاية العامة، والطاعن وإن صاغ طلبه في شكل تعرض، فإن ذلك غير مانع له بأن يطالب بعين ما تعرض عليه بدعوى مبتدئة، وإذ هو سلك ذلك فإن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لما أيدت الحكم الابتدائي القاضي بعدم قبول الطلب بعلة “أن النظر في دعوى الشفعة لا يصح دون النظر في دعوى التعرض وأن الاختصاص فيها لقاضي التحفيظ وقضت بتأييد الحكم القاضي بعدم قبول الطلب”، تكون قد خالفت القاعدة المذكورة وعللت قرارها فاسدا وهو بمثابة انعدامه مما يتعين نقضه”.
وفي نازلة أخرى اعتبرت المحكمة نفسها “أن تضمين التعرض بمطلب التحفيظ لم يحدد بأجل ويكون معتبرا ما دام لم يبت في طلب الشفعة، والمحكمة لما ثبت لها أن المستأنف قدم دعوى الشفعة وقام بتقييدها في شكل تعرض بمطلب التحفيظ، واعتبرت أن تضمين التعرض قبل صدور قرارها إصلاحا للمسطرة باعتبار الاستئناف ينشر الدعوى من جديد، تكون قد طبقت مقتضيات المواد 304، 305 و306 من مدونة الحقوق العينية تطبيقا سليما، وعللت قرارها بما فيه الكفاية”.
إشكالية نشأة حق الشفعة من تاريخ التقييد، وليس من تاريخ الإيداع، ولا شك أن عملية التقييد لا تتم من قبل المحافظ تلقائيا، وإنما يجب على المعني بالأمر أن يتقدم شخصيا، أو بواسطة نائبه، بطلب خطي إلى المحافظة العقارية المختصة، في شكل قائمة تتضمن وجوبا البيانات المنصوص عليها في الفصل 69 من ظهير التحفيظ العقاري مرفقة بالعقود والمحررات المطلوب تقييدها، والتأكد من استخلاص واجبات التسجيل والتنبر، ووجوب أداء رسوم المحافظة العقارية، بصندوق الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، بعد قبول الطلب من المحافظ العقاري.
ومعنى ذلك، أن توافر هذا الشرط المسطري الإداري المتمثل في القائمة أعلاه شيء ضروري، إذ أن أهميته تتجلى في موافقة البائع على إجراء تقييد العقد المرفق بالطلب، باعتباره الطرف الملزم قانونا بضمان نقل الملكية إلى المشتري سواء كان شخصا طبيعيا أو معنويا، وبالأخص قيامه بجميع الإجراءات الإدارية لإشهاره بالرسم العقاري، وفق مقتضيات الفصل 65 من ظهير التحفيظ العقاري. بل يسوغ لأصحاب الحقوق المسجلة أن يطلبوا من المحافظ إصلاح ما وقع من إغفالات أو أخطاء مادية قد تكون طالت البيانات الواردة بالرسم العقاري. كما يمكن له أن يبادر تلقائيا إلى القيام بتدارك ذلك، شريطة إعلام حائز النظير بالإصلاحات المنجزة، وإلزامه بإحضاره لتحيينه مع الرسم العقاري.
وانسجاما مع ما ذكر، فإن العقد، أو الحكم، أو الأمر المطلوب تقييده، يجب أن تكون البيانات الواردة بها متطابقة مع ما هو مدون بالرسم العقاري، على اعتبار أن المحافظ ملزم أن يحقق تحت مسؤوليته هوية المفوت وأهليته وكذا صحة الوثائق المدلى بها تأييدا للمطلب شكلا وجوهرا.
وعليه، فإن القيام بإجراء التقييد من قبل المحافظين يستلزم بالضرورة استيفاء إجراءات سابقة تتمثل في تدوين طلبات التقييد في سجل خاص يسمى سجل الإيداع، ثم تباشر عملية التقييد بعد ذلك في الرسم العقاري، فما هو إذن الفرق بين هذين الإجراءين؟
وجوابا عن ذلك، فإن أهمية إجراء الإيداع في ترتيب الأولوية عند تقييد الحقوق بالرسم العقاري، جعلت المشرع يلزم المحافظ أن يتخذ سجلا للإيداع قصد إثبات مطالب التقييد والوثائق المرفقة بها حسب تواريخ إيداعها لدى مصلحة المحافظة العقارية، مقابل وصل يتضمن الإشارة لرقم الترتيب نفسه، الذي أودع به مع بيان تاريخ الإيداع، والساعة بالضبط كذلك عملا بالفصل 76 من قانون 07/14.
ومعلوم أن سجل الإيداع يعتبر حجة للمحافظ والغير على البيانات المضمنة لترتيب الأولوية في الإيداع عملا بمقتضيات الفصل 77 من ظهير التحفيظ العقاري، التي اعتبرت أن “ترتيب الأولوية بين الحقوق المثبتة على العقار الواحد تابع لترتيب التقييدات”.
ومعنى ذلك، أن الأولوية في الإيداع لا تخول دائما لصاحب الطلب حق الأولوية في التقييد، على أساس أن هذا الأخير لن يتم إلا بعد مراقبة المحافظ وتأكده من استيفاء مطلب التقييد للشكليات القانونية اللازمة لذلك. فإذا ثبت له العكس فإنه يرفض التقييد بالرسم العقاري، ولا يستفيد بالتالي طالب التقييد من أولويته في سجل الإيداع، ومن ثم فإننا نخلص إلى القول إن مجرد إيداع مطلب التقييد بمصلحة المحافظة العقارية لا يعتبر إشهارا للحق المطلوب تقييده بالرسم العقاري، بدليل أن إيقاع حجز تحفظي على حصص الشريك في شركة مدنية لا يمكن تقييده من قبل المحافظ، لأنه ينصب على أموال منقولة مملوكة لشخص ذاتي خلافا لمقتضيات الفصلين 65 و87 من ظهير التحفيظ العقاري التي توجب إشهار الحجوز العقارية المنصبة على حقوق عينية. بل إنه لا يمكن إيداع الأمر بالحجز العقاري بالملف الخاص بالشركة المالكة والذي يمسكه المحافظ فقط للتحقق من هويتها ومن صحة تمثيلها وبالتالي لن يرتب إيداعه بهذا الملف أي أثر قانوني.
وقد كرست محكمة النقض هذه التفرقة بين إجراء الإيداع والتقييد بمناسبة نزاع يتعلق بماهية التاريخ المعتمد لاحتساب أجل الشفعة المحدد في الفصل 974 من (ق.ل.ع)، معتبرة أن “التقييد في العقار المحفظ الذي يقع به إشهار الحق الذي يجعله المشرع قرينة على افتراض العلم به في مواجهة الكافة هو الذي يقع وفق ما هو محدد في الفصل 75 من التحفيظ العقاري بتقييد المحافظ في الرسم العقاري البيانات الموجزة عن الحق المراد إشهاره مؤرخة وممضى عليها من قبله. وأن تاريخ بداية الأجل المنصوص عليه في الفصل 974 من (ق.ل.ع) يحتسب ابتداء من تاريخ تبليغ الشفيع بالشراء بعد تقييده بالرسم العقاري، لا من تاريخ إيداعه فقط، لأن إيداع المطلب والوثائق بسجل الإيداع بالمحافظة لا يرقى إلى درجة إشهار الحق بتقييد الرسم العقاري”. وبذلك يتضح أن إجراء الإيداع ولئن كانت ينتج عنه ترتيب حقوق الأولوية عند التقييد، فإنه – ومع ذلك – يعتبر مرحلة سابقة عن التقييد المنشئ للحقوق بالرسم العقاري، وأن هذا الأخير هو الذي تنطلق بمقتضاه جميع الآجال المسقطة للحق من تاريخ الإشهار الفعلي، وتحقق قرينة العلم بالتقييد قانونا وواقعا.
غير أن بعض العمل القضائي، اعتبر أن تاريخ إيداع عقد الشراء بمصلحة المحافظة وسجلها المعد لذلك، هو تاريخ سريان أجل السنة المنصوص عليه في المادة 304 من مدونة الحقوق العينية للمطالبة بالشفعة، ورتب على ذلك سقوط حق الشفيع، والتصريح بعدم قبول الدعوى من الناحية الشكلية.

الدكتـور حسـن فتـوخ * مستشار بمحكمة النقض رئيس قسم التوثيق والدراسات والبحث العلمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى