ملف الصباح

20 فبراير … ثــورة مـلــكـيـة هــادئـــة

تغييرات دستورية وسياسية وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة

تجاوب الملك محمد السادس مع الحراك الشعبي لـ 20 فبراير 2011، بخلاف أغلب قادة الدول العربية الذين أصدروا أوامرهم للجيوش لمواجهة صدور المحتجين، ولقي الخطاب الملكي في 9 مارس ترحيبا من قبل كافة الفئات الاجتماعية التي طالبت بموجة جديدة من الإصلاحات لمحاربة الفساد، وإسقاط “التيار الاستبدادي” في كل القطاعات الوزارية والإدارية والمؤسساتية.
واعتبر المغرب الاستثناء في المنطقة العربية، لأنه لم يطلق رصاصة ضد المحتجين، وادعى البعض أن الملك محمد السادس استفاد من تبعات حراك تونس، الذي طرد الرئيس زيد العابدين بن علي، فيما الحقيقة أن الملكية الدستورية بالمغرب ترتكز على مفهوم “ثورة الملك والشعب” وهي خاصية مغربية بامتياز، إذ يستمد الملك شرعيته من البيعة التي يقدمها له الشعب، بناء على عقد سياسي مكتوب وممتد عبر قرون مضت، يتمثل في حماية الملك مصالح الشعب، ودينه، ووحدته الترابية، ونظامه الديمقراطي، وبالمقابل من ذلك يؤدي له الشعب البيعة من خلال من انتخبهم وطنيا ومحليا، كما أن تكوين الملوك منذ صغرهم لتدبير شؤون الحكم يمنحهم القدرة على التمييز في اتخاذ القرار بناء على معطيات تستشرف المستقبل دائما.
ولم يخيب الخطاب الملكي آمال الشعب، وجاء بالفعل حاملا لعرض سياسي شامل، وبذلك تحركت الآلة الحزبية لإنتاج مسودات تعديل الدستور، وإجراء انتخابات سابقة لأوانها، ساهمت في صعود العدالة والتنمية، التيار الإسلامي، الذي ساعدته الدولة كي يحدث التوازن مع التيار الاشتراكي قبل حكومة التناوب التوافقي في 1998، ما شكل مفاجأة كبرى.
ونجح المغرب في ثورته الثانية الكبرى في إخماد الحرائق، بخلاف الدول العربية الأخرى التي إما أن تخرج الجيوش لقتل المواطنين، أو تحرك النعرات القبلية والطائفية الدينية، والإثنية اللغوية للدخول في حرب أهلية، أو تعرقل مساعي تشكيل الحكومات وافتعال الأزمات، وطبعا هذه الأنظمة غير الديمقراطية تسعى، حتى وإن ضبطت أمورها الداخلية، إلى افتعال حروب على جيرانها من خلال استعمال تشكيل مرتزقة وشن حرب العصابات.
ولم يقف الملك عند هذا الحد، بل تجاوز مطالب الحراك، وصار أول من يهاجم النخبة التي تدافع عن المفسدين، إذ انتقد الأحزاب بشكل لاذع، وكبار الموظفين، وأقال 4 وزراء دفعة واحدة، وغضب على خمسة آخرين بعدم تحملهم أي مسؤولية مستقبلا، بعد حراك الحسيمة الذي غير مساره بفعل تدخلات أجنبية.
ودعا الملك كل المسؤولين، كل حسب مهمته الانتدابية، إلى تطبيق المبدأ الدستوري، ربط المسؤولية بالمحاسبة، وانتقد تخاذل الإدارة والقضاء في التعامل مع شكايات المواطنين، ودعاهم إلى حماية ممتلكاتهم وممتلكات المهاجرين، معتبرا أنه ليس من صلاحيته البت في الشكايات التي يتوصل بها، ومع ذلك وفق تعليماته تمت الإطاحة برؤوس فساد كبيرة، وشدد على محاربة الرشوة والفساد، وأمر إدريس جطو، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، بافتحاص ميزانيات مئات المؤسسات العمومية والوزارية، ونشر تقاريرها للعموم.
وتصدى الملك لتراخي الإدارة ودعاها إلى إصلاحها إذ أصبحت خطاباته موجهة إلى السلطات كي تتحرك، سواء الولاة والعمال والقياد وأعوان السلطة، إذ تمت معاقبة العشرات منهم، بعضهم بإعادة تكوينه والبعض الآخر بتقليص رتبته. كما طالب الحكومة بتغيير قوانين مثل الاستثمار، والمراكز الجهوية للاستثمار، واللاتمركز الإداري، والتربية والتعليم، و التكوين المهني، بمدن الكفاءات، وتعيين نساء قاضيات وفي مصالح “العدول” والأمن، وفي المجال الديني واعظات ومرشدات، وأضاف جرعات في إصلاح الحقل الديني، بالنسبة إلى مغاربة العالم، وتكوين الأئمة، ووضع نموذج تنموي جديد في الصحراء، وربطها بالقارة السمراء، وعودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي.
كما التمس الملك من البنوك مساعدة الشباب في القرى وضواحي المدن على إنشاء مقاولات في أفق إنشاء طبقة وسطى التي ستستفيد من توزيع أراضي الجموع، وتمكين النساء من حقوقهن في الأراضي السلالية، واستفادة آخريات وشباب من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومن نظام التغطية الصحية الأساسية، ودعوته إلى الإقرار بالمهن الحرة في أنظمة التغطية الصحية والتقاعد.

أحمد الأرقام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق