fbpx
الأولى

حديث الصباح: طلاق بطعم الانتقام

 

كما يُدبّر الزواج علينا أيضا أن نتعلم تدبير الطلاق

 

الحالة الأولى: تفاقمت المشاكل وحالات الخصام لأتفه الأسباب. أحس عمر بأنه لا داعي للاستمرار في علاقة تمزقه وتمزق زوجته، فقرر الطلاق. اقترح على زوجته الأمر، وبعد نقاشات وخصامات طويلة، تم الطلاق. قبل ذلك، توصل عمر بإشعار من المحكمة يعلمه أن عليه أن يضع في صندوق بالمحكمة مبلغ 60 ألف درهم مقابل مخلفات «النفقة» التي امتنع، على ما يبدو، عن أدائها في السنوات الأخيرة للزواج. لم يفهم عمر الأمر في بادئ الأمر لأنه ظل، كالعادة، يتكلف، إلى جانب زوجته، بباقي مصاريف البيت إلى غاية لحظة الطلاق؛ لكنه رفض أن يختلق سببا آخر للنزاع. دبر المبلغ كما اتفق، وضعه في صندوق المحكمة وتابع باقي الإجراءات. لكن سؤالا واحدا ظل يتردد في دواخله: لماذا كذبت زوجته؟ أمن أجل مبلغ مالي، مهما كبر، يقبل المرء أن يصغر كثيرا في عيني الآخر؟
الحالة الثانية: أحست حسناء بأن قصة الحب التي جمعتها بزوجها تحولت تدريجيا إلى سراب وذكرى قديمة، وبأن التجريح بينهما وصل درجة أصبحت معها الحياة صعبة لا تطاق. لم تكن تبحث عن شمّاعة تعلق عليها فشل العلاقة بينهما. كانت تؤمن بأن ما وصلا إليه من تراجع ومن تقهقر في العلاقة، هو مسؤولية مشتركة بينهما. لكنها لم تعُد قادرة على الاستمرار في مسلسل النفاق الزوجي وعلى المعاشرة اليومية لرجل لم تعد تربطها به أحاسيس ولا عواطف. طلبت من زوجها الطلاق لكنه رفض. حاولت أن تقنعه بأن الحياة أصبحت مستحيلة بينهما، وأن العقد صار وحده ما يجمعهما، بدون مشاعر ولا تفاهم ولا مشاريع ولا أحلام مشتركة. ذكّرته كيف صار كلاهما يتفادى اللقاء بالآخر، يختلق الأعذار ليتأخر خارج البيت حتى يقضيا أقل وقت ممكن في الفضاء نفسه… لكن زوجها ظل مستمرا في رفض الطلاق على أساس أملٍ في استرجاع ما تبقى من أحلام مُقوّضة؛ أمل لم تعد حسناء مؤمنة به. لذلك كان الطلاق موجعا واستمر التواصل بين الزوجين فقط عن طريق محامييهما وفي جلسات المحاكم…
عمر وحسناء ليسا حالتين شاذتين ولا استثنائيتين. كثيرون مروا من تجارب مشابهة تختلف تفاصيلها، لكن العمق بينها مشترك: طلاق موجع يدمر الزوجين السابقين ويُدمر الأطفال أيضا في أحيان أخرى كثيرة.
لعمر كما لحسناء أطفال من زوجيهما السابقين. لهذا السبب ربما امتنع الأخيران في البداية ورفضا الطلاق. «من أجل الأطفال». لكن عمر وحسناء، وآخرين كثيرين مثلهم، كانوا يؤمنون بأن هذا العذر خاطئ جدا، وأنه ليس في صالح الأطفال أن ينشؤوا في وسط تسود فيه المشاعر السلبية والصراعات والعنف.
للأسف، أغلب حالات الطلاق في مجتمعاتنا تتم في أجواء من العداء، غالبا ما يدفع ثمنها الأطفال.

طبعا، ليس من السهل أن يتقبل المرء أن الحب وأن الإخلاص وأن عشرة الزمن الماضي تحولت إلى تجريح وإلى عنف وإلى ألم. بل أكثر من ذلك، ليس من السهل أبدا أن يتقبل أحد الطرفين الطلاق، حين يكون نابعا من رغبة الآخر، وحين يكون الطرف الأول ما يزال متعلقا بأهداب أمل يرفض أن يموت. من الطبيعي، بل ومن الصحي أيضا، أن يحاول الزوجان إيجاد حلول لمشاكلهما، حين يكون هناك أمل حقيقي وواقعي في تفاديها.
لكن، حين يكون من الواضح (أو شبه الواضح) أن الأمور وصلت حدا لا يمكن معه ترجي أي أمل، لماذا لا يكون لدينا ما يكفي من النضج لكي ننهي الأمور بأقل قدر من الجراح؟ كيف تتحول ذكريات شهور وسنوات من العشرة والشراكة والتفاهم ومسلسلات من الخصام والصلح ومشاريع قديمة وأحلام جميلة، إلى تجريح وإهانات وإصابات يحاول كل واحد أن يسجل أكبر عدد منها في مرمى الآخر؟ كيف تتحول علاقات كثيرة جميلة إلى حسابات مادية ودعاوى في المحاكم؟ حين يبيع شخص احترامَ الآخرِ له مقابل مبلغ مالي، مهما كبُر، فهو يظل في النهاية رخيصا جدا. كيف نخسر احترام الشخص الآخر لنا، ونقبل أن نصغر في عينيه بكذبة تجعلنا نكسب 60 ألف درهم، أو حتى أكثر؟ مهما علت القيمة المادية لمبلغ كهذا، فهي لا تساوي شيئا أمام الإحباط من تحوُّل علاقة وجزء من حياة بأكملها إلى مجرد علاقة ربحية تجارية يحاول كل طرف فيها أن يكسب أكبر مبلغ ممكن أو يخسر أقل مبلغ ممكن.
أجدادنا كانوا يقولون إنه، حين يحدث خصام بين زوجين، لا أحد يعلم أين توجد الحقيقة. وبالفعل، فالخطأ لا يوجد أبدا في صف واحد ولا على عاتق واحد. إنها في الغالب مسؤوليات مشتركة بين الزوجين، وفي أحيان أخرى كثيرة، سلسلة من حلقات سوء التفاهم التي تتفاقم تدريجيا، لتنفجر يوما لأسباب تافهة جدا، لكنها أبدا لا تكون الأسباب الحقيقية. في أحيان أخرى كثيرة، يرفض الزوجان نفسهما الاعتراف بالأسباب الحقيقية ويعلقان بؤس وبرود العلاقة على شماعة أسبابٍ ليست في الحقيقة إلا القطرات التي تُفيض الكأس، بينما لا يحاول أحد أن يبحث عما يوجد في قعر الكأس من ترسبات…
الكارثة الحقيقية أنه، في حالة وجود أطفال في مسلسلات الصراع هذه، يصبح هؤلاء السلاحَ الذي يضرب به كل واحد الآخر. أحيانا يرفض الزوج دفع مصاريف النفقة لأطفاله، انتقاما من زوجته السابقة “باش يسخسخها”، أو “باش ما تتمتعش بفلوسو”. في أحيان أخرى تتماطل المطلقة في السماح للأب برؤية أطفاله متعللة بأمور تافهة، وتنسى أنه ليس في صالح الأطفال أن يُحرموا من آبائهم ولا من أمهاتهم. في أحيان أخرى كثيرة أيضا، يتصارع الاثنان في المحاكم، ويشحنان الأطفال ضد بعضهما البعض… وفي محاولات هؤلاء وأولئك المستميتة لـ “الانتقام” من الطرف الآخر، الذي يصبح فجأة سبب كل مشاكلهم وإحباطاتهم وبؤسهم، ينتقمون في الواقع من أطفالهم. فهل يأتي يوم نعي فيه أنه، كما يُدبّر الزواج، علينا أيضا أن نتعلم تدبير الطلاق؟  

بقلم : سناء العاجي, كاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق