fbpx
ربورتاج

الـحــطــب قــبـل الـخـبـز

غلاء العلف هاجس سكان جبال الأطلس و160 امرأة حاملا أنقذت والسلطات آوت 56 متشردا

في كل شتاء تلبس جبال الأطلس رداء البياض فرحا لا حدادا، فتتلون حياة البدو من قاطنيها لجحيم بلون فحم حلمهم بامتلاكه أكبر من خبز بطعم العلقم. البياض الناصع لونا، يتحول أفقا مظلما بحلكة حاجبة حلم الانعتاق من طبيعة تزداد قساوة على أبدانهم الهزيلة ناقصة القوة والتدفئة بثياب أو حطب عانقت أسعاره سماء غلاء أقوى من جيوبهم المثقوبة.
تغيرت الأزمنة دون الأمكنة الباقية على حالها كما معاناتهم وماشيتهم، ببراريك غطاها البلاستيك الأرحم بهم، و”طمرها” البياض الأقسى على صغارهم وشيوخهم وغنمهم وماعزهم. حياتهم بسواد مستفز ومستقر في كل الفصول، كما غض المسؤولون الطرف عن مشاكلهم التي ظلت جاثمة على قلوبهم مهما اختلفت أمكنة وجودهم من إفران إلى قلب الأطلس.
إعداد: حميد الأبيض – تصوير: (أحمد العلوي المراني)

أطفال كبروا حجما وسنا، كما المعاناة نفسها المجهضة لأحلامهم الوردية بحياة أفضل، مما يعيشونه ب”مساكنهم” الفاقدة لشروط الحياة الكريمة، سيما بهبري وميشلفين إلى تمحضيت، حيث لا شيء تغير في حياة “رحل” استقروا رغما عن أنف طبيعة صعبة الولوج وثلج وصقيع قاسيين تآلفت معهما أجسادهم دون أفئدتهم الباكية دما من برودة شعور وإحساس المسؤولين.

معاناة جاثمة
ذاب الثلج بدروب إفران الفسيحة، دون أن تنمحي برودة الإحساس في أفئدة من المفروض أن تحركهم لتوفير وسائل ناجعة وكافية لتدفئة أجساد القابعين بأعلى قمم الجبال الجاثم البياض فوقها، بعيدا عن الأعين والأفئدة، إلا ما تيسر من تدخلات رسمية يراها البعض قليلة مقارنة مع شساعة المساحة ومعاناة تتضخم بالتوغل، بعيدا عن صور التحضر والتمدن الخاضعة.
أحوال من زارتهم “الصباح” قبل سنوات، ما زالت كما هي في جميع تجلياتها وصورها المؤلمة المبكية لمن ما زالت بفؤاده ذرة رحمة. طفلا كساب ب”براكته” البلاستيكية قرب مخرج الغابة في اتجاه هبري، كبرا كما تكاليف مرضهما ومعاناة أبيهما لتوفير دواء مكلف أنهك جيبه، في غياب يد عون رسمية أو جمعوية، مفقودة في حياة ضياع عنوانها انتظار الفرج والفرح.
أجرته عن رعي غنم “الباطرون”، هزيلة عن “السميك”. نصفها يستنزفه دواؤهما، والباقي مقسم بين تكاليف عيش مر ومصاريف حطب الحاجة إليه أكبر من الخبز في هذه الأيام الباردة. لا مجال للادخار عنده، كما لا ثقة في وعود عسلية تذوب مع الثلج بأشعة شمس واقع متناقض بين مرارة معيشه وسوداوية أفق يحلم أن ينفتح على مفاجأة مفرحة لأهله.
الحلم والمعاناة والعيش المر، تتكرر في كل “براكة” قابعة على هامش الطريقين من أزرو تمحضيت عبر هبري ومن إفران إلى ميشلفين، ويكرر قاطنوها أسطوانة الضياع نفسها كلما “نغص” عليهم زائر فضولي، هدوء حياة صعبة لم تتأثر بعوادي الزمن، رغم الثلج وسواده المبطن وقساوة طبيعة لا ترحم وبرودة طقس عانقت العشرة أرقام تحت الصفر.

حميمية العيش
قليلون يقبلون بتعكير صفو خلوتهم والنبش في حياتهم، الراضين بها مهما قست عليهم، كما طبيعة تآلفوا مكرهين معها. حتى ديك رومي “نفش” ريشه غضبا على طيش وتهور زائر، نغص عليه خلوته قرب براريك متلاصقة أشبه بأعشاش الطيور في سفح الجبل بدوار بوتكروين يسار الطريق إلى ميدلت عبر تمحضيت. صوته المزمجر أخرج مالكته لاستقصاء الأمر.
كانت منهمكة في تقطيع جذوع وأغصان أشجار يابسة، لإعداد العدة اللازمة لليلة باردة. بترحاب استقبلت غرباء عارضة عليهم شايا ب”شيبة” غرستها. ولما رفضوا وبانتهاء المهمة، عرضت عليهم بيضا إكراما لوفادتهم، رغم ألا سابق معرفة بهم. كرم الضيافة واقع متأصل في نفوس هؤلاء الناس البسطاء، الذين فقدوا سبل العيش الكريم ولم يفقدوا حميمية الإنسانية فيهم.
كبر سنها لم يذب “صحة عظم” أم مفعمة بكل الحيوية وسعيها الحثيث لإسعاد 12 فردا أنجبتهم. اثنان منهم معاقان جسديا إحداهما عشرينية بكماء انهمكت في تصبين ملابس إخوتها. دوما تتسلح ببصيص أمل متجدد في غد أفضل مما هي فيه من حرمان وضيق ذات يد أسرة مركبة تعيش من 15 ألف درهم تتسلمها نظير رعي ماشية معلم استثمر ماله فيها.
ببراكة معزولة أعادت الأم مراحل إيقاد النار الوحيدة الكفيلة بتدفئة أجساد أفراد العائلة الذين تفرقوا نهارا بحثا عن رزقهم. علامات الحزن علت محياها في حديثها عن غرامات المياه والغابات المفرملة لأي استغلال عشوائي لحطب الغابة الذي لا يسمح بغير الأغصان اليابسة منه، قبل أن تسخر من سؤال حول وسائل التدفئة الكهربائية في غياب الكهرباء والمال.

“العود غالي”
“العود غالي. وحنا يا الله كنلقاو باش نوكلو الدراري” تقول الأم بنبرة حزينة كما أمهات المنطقة شغلهن الشاغل توفير الكافي من الحطب لتأمين التدفئة اللازمة، حلم صعب التحقيق بالنسبة إلى عدة أسر خاصة أمام غلاء ثمنه المتأرجح بين 1000 درهم و1350 للطن حسب العرض والطلب، في غياب وسائل بديلة إن بسبب الفقر أو لعدم الربط بالكهرباء.
“الطن لا يكفي إلا لأسبوعين. والحطب يكلفني 5 آلاف درهم في كل شتاء. سكان المناطق الجبلية يعانون كثيرا لتوفيره أمام فقرهم والخوف من غرامات مصالح المياه والغابات” يقول علي أوطالب، عضو جمعية خيول السياحة الجبلية بعين فيتال، المستبشر خيرا بإعادة فتح الفضاء في وجههم وفق نظام صارم، لكسب مدخول يساعدهم على تدبر تكاليف الحياة.
“إمكانيات الكسابة وسكان المناطق المتاخمة للجبال، ضعيفة ولا تكفي للوفاء بحاجياتهم الحياتية من أكل وشرب وتدفئة. وحطب التدفئة إشكال حقيقي مؤرق لهم خاصة بإفران وبولمان وخنيفرة” يقول الجمعوي محمد ملوك ابن دوار آيت عرفة بتمحضيت، مؤكدا أن “الحطب الصالح للتدفئة، اختفى من الغابة. وبدونه لا يمكن العيش في هذا الطقس البارد”.
ويضيف “الناس تولفوا وتأقلموا مع البرد” حتى أولئك القابعين تحت البلاستيك في براريك وكهوف صامدة في وجه كل التقلبات الجوية ومظاهر القهر والإقصاء و”حكرة” الثلج والظروف، وما يعيشونه من حياة تزيد مرارة شتاء وكلما كست الثلوج جبالا مقابلة لدواوير على مرمى حجر من ميشلفين وهبري وقرب تمحضيت حيث يتراءى بويبلان شامخا ببياضه.

جمعيات الغابة
4 جمعيات تأسست بتمحضيت لحماية الغابة من الاستنزاف ووقف أي استغلال جائر لها، كما كشف ذلك محمد ملوك، مؤكدا أن سكان المناطق المجاورة للغابة يتفهمون الوضع والجمعيات تسعى لتأطيرهم، دون أن ينكر معاناتهم لتوفير الحطب لتكاليفه الباهظة وغياب وسائل التدفئة الكهربائية، في غياب المبادرات الرسمية للتخفيف من معاناتهم في المجال.
المياه والغابات تحدثت عن توزيع أفران صديقة للبيئة على هذه الفئة من جيران الغابة. وأوطالب ابن دوار آيت لحسن أوبراهيم بتيزكيت الذي يرأس جمعية إمعاون للتنمية وحماية المجال الغابوي، يتحدث عن غياب الإمكانيات اللازمة للعمل وإنجاح مثل هذا النمط من العمل الجمعوي، في غياب الوعي والوسائل والتجاوب والرغبة في الدفاع عن الحقوق.
ويضيف “الناس كتخاف. وما كتعرف واش كاين دعم أو لا”، فيما قال عبد العالي أوجردة من إركلاون رئيس الفرع المحلي للشبكة الوطنية لحقوق الإنسان ببنصميم وعضو مكتبها الجهوي، إن “الأغلبية القريبة من الغابة، كتحطب والباقي كيشريو واخا ساكنين فالبادية”، متحدثا عن غياب المبادرات الرسمية بما فيها الأفران البيئية بمنطقة أوكماس بين إفران وأزرو.
وتحدث عن قصور في توفير الحطب الكافي واللازم ببعض المؤسسات التعليمية كما السكان، ذاكرا مجموعة مدارس أوكماس المستثناة بنظره، متمنيا تعميم وسائل التدفئة عليها وغيرها من المؤسسات، مؤكدا أن الشبكة اقترحت على المسؤولين مساعدة السكان في التزود بالغاز أو تخفيض فواتير استهلاك الكهرباء، لكن “كل ذلك بقي مجرد حلم لم يتحقق”.

معاناة الحيوان
ليس الإنسان وحده المتضرر من الثلوج والصقيع وانخفاض درجات الحرارة بالأطلس المتوسط لمستويات متدنية جدا، بل حتى الحيوانات والماشية، خاصة القردة التي تزداد معاناتها شتاء كما الكلاب الضالة المنتشرة بجانب الطريق الوطنية رقم 13 بين أزرو وميدلت، طمعا في ما تجود به أريحية مسافرين.
المعاناة نفسها يعيشها أيضا قطيع ماشية الرحل على طول الشريط الغابوي ورعاة كبار الكسابين والمستثمرين في المجال، المطالبين بتوفير العلف الكافي الذي ليس في متناول الجميع، خاصة أمام محدودية المبادرات الرسمية وبينها توزيع الشعير المدعم لكن بكميات قليلة لا تكفي قطيعا بأعداد كثيرة من الأغنام والماعز، ما يحتم شراء كميات أخرى بمبالغ مضاعفة.
“الدعم غير كاف رغم خفض ثمنه الأصلي ب25 بالمائة. الفلاحون يستفيدون من كمية محدودة لا تتجاوز طنا من الشعير المدعم على سبيل المثال والذي يباع ب200 درهم للقنطار” يقول أوجردة، ما يزكيه أوطالب المتحدث عن محدودية أو غياب كل مبادرات الدعم ليس فقط بالعلف وتوفير الحطب، بل حتى بالأغطية والملابس الشتوية والحملات الطبية.
ويؤكد محمد ملوك رئيس الجمعية الوطنية لمربي الماشية، أن الأعلاف “مشكل حقيقي مؤرق للكسابين لغلاء أثمنتها والتهابها تزامنا مع تزايد نسبة الإقبال عليها شتاء”، متحدثا عن كيسين للكسابين و160 كيلوغراما في أحسن الأحوال، معدلا موزعا من الشعير المدعم بتمحضيت التي يتحدر منها، متسائلا بنبرة ساخرة “واش يزرعهم أو يعطيهم للكسيبة؟”.

إيواء 56 متشردا
لا يعني ما سلف، أن الجهات المسؤولة بإفران، تقف مكتوفة الأيدي في مواجهة موجة البرد القارس، فثمة جهود تبذل من قبل مختلف المصالح، خاصة اللجنة الإقليمية لليقظة المشكلة من عدة مصالح وإدارات، واللجنة المحلية في ظل تنسيق تام لإنجاح كل التدخلات في مجالات مختلفة خاصة في الصحة والتعليم وفتح حركة المرور بمختلف الطرق.
ولتلافي تكرار وفاة مشردين على غرار ما وقع قبل أيام بأزرو، عملت السلطات على إيواء 56 شخصا بدون مأوى حفاظا على سلامتهم وحياتهم، في إطار مبادرات تتكرر في كل شتاء، على غرار تكثيف التدخل في مختلف حالات النساء الحوامل خاصة بالمناطق القروية صعبة الولوج، وفق برنامج ينفذ بصرامة حفاظا على حياتهن.
وتحدث مصدر رسمي عن تسجيل 160 حالة لنساء حوامل تم التكفل بهن بالمراكز الصحية القريبة للمناطق الجبلية سيما بتمحضيت وبالمستشفى الإقليمي 20 غشت بأزرو، متحدثا عن تجنيد 18 طبيبا و36 ممرضا و12 إطارا إداريا ووسائل تنقل صحية مختلفة بينها 22 سيارة إسعاف و82 وحدة متنقلة، لتأمين مرور سليم لموجة البرد والصقيع بالإقليم.
وأكد برمجة تنظيم 23 قافلة طبية لمناطق مختلفة ومتفرقة بالإقليم. وأشار إلى تزويد 6 مراكز صحية بالمناطق النائية، بوسائل التدفئة اللازمة، متحدثا عن 45 طنا من الحطب رصدت لذلك، مقابل 90 طنا من المادة زودت بها 22 مدرسة ابتدائية و75 طنا من الفحم الحجري زودت بها مختلف المؤسسات التعليمية الثانوية الإعدادية والتأهيلية.
وأكد أن كل المؤسسات زودت بكميات كافية من الحطب ووسائل التدفئة، وتجنيد ثلاث دراجات نارية تابعة للوقاية المدنية ودراجتين للدرك، للتدخل في المناطق النائية إبان التساقطات الثلجية، موازاة مع تدخلات مصالح التجهيز على مدار اليوم ودون انقطاع، بتجنيد 122 آلة لإزاحة الثلوج بعضها للخواص، و40 سائقا لإنجاح كل التدخلات في الطرق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق