fbpx
ملف الصباح

منزل مكوار بفاس شاهد على تحرير وثيقة المطالبة بالاستقلال

يشهد منزل المرحوم أحمد مكوار الواقع قرب ساحة البطحاء بفاس، على ميلاد فكرة المطالبة بالاستقلال وتحرير وتوقيع وثيقة بذلك قبل 76 سنة، في ظروف ارتفعت فيها حدة المقاومة المسلحة والشعبية ضد المستعمر الفرنسي الغاشم، ما شكل بصمة تاريخية مؤثرة في تاريخ المغرب، يحتفل بها في 11 يناير من كل سنة.
في هذا اليوم قدمت وثيقة المطالبة بالاستقلال، للملك الراحل محمد الخامس وممثلي بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والمقيم العام، فكانت منعطفا حاسما في مسار الكفاح الوطني ضد الاستعمار، بعد أسابيع استغرقتها عملية التوقيع بأهم المدن من قبل بعض القادة السياسيين والمقاومين وأعضاء جيش التحرير.
من غرفة في هذا المنزل التاريخي الذي تقابله لوحة للوثيقة، حررت بشكل جماعي وباتفاق كامل حول مضمونها ومطالبه، قبل الشروع في توقيعها تباعا وبعدة مدن، من طرف أكثر من 65 شخصا أولهم صاحب المنزل ومنهم الزعيم الاستقلالي علال الفاسي وبينهم مليكة الفاسي المرأة الوحيدة الموقعة على هذه الوثيقة التاريخية الهامة.
لم تجهز هذه الوثيقة للتحرير والتوقيع، إلا بعد عدة مشاورات بين وطنيين واستشارة مع الملك، وإدخال تعديلات وإضافات على صيغتها الأولى، مع انتقاء الشخصيات لتقديمها ومراعاة الشرائح الاجتماعية المرشحة لتوقيعها والحرص على تمثيلية أعلى نسبة من المناطق فيها خاصة التي لها تأثير في المقاومة وتاريخ المغرب.
وطالما أن فاس وراء هذه المبادرة المحاطة بسرية قبيل ميلادها، فقد استحوذت على نسبة كبيرة من موقعيها ب16 شخصا بينهم امرأة، متبوعة بالرباط ب10 موقعين، وجارتها مكناس ب7 موقعين وسلا ب6 أشخاص ومراكش وآسفي ب4 توقيعات والخميسات ب3 أشخاص، ما يؤكد هيمنة مقاومي وسياسيي هذه المدن.
المدن المحورية في مقاومة المستعمر، كان لها أثر في تحرير وتوقيع الوثيقة خاصة من قبل أسماء معروفة وتنتمي لطبقة اجتماعية ميسورة، ما يجد فيه مؤرخون خارطة طريق للاهتداء لظروف ميلادها، خاصة أن أهل فاس كانوا حينئذ أكثر تأثيرا، موازاة مع الدور الهام الذي لعبته المدن الأكثر تمثيلية في توقيعها دون أخرى صغيرة.
الحضور الديني والطرق الصوفية، قائم بين موقعي هذه الوثيقة، كما مدن صغيرة تمثيلية وتأثيرا، من قبيل سطات والقنيطرة وحتى من مانشستر من خارج أرض الوطن، ما يؤكد أن التوقيع عليها كان شبه شامل ولم يقتصر على فئة، ويزكي الشعور الوطني بالحاجة للاستقلال والحرية، تزكية للكفاح والمقاومة المسلحة خاصة بالشمال.
وما كان لهذه الوثيقة أن تولد، لولا تنامي الغضب الشعبي وارتفاع حدة المقاومة التي كبدت المستعمر خسائر فادحة وكبحت رغبته في الاستمرار في بسط هيمنته على البلاد والعباد، خاصة بعد تأسيس كتلة العمل الوطني موازاة مع ترجمة وسائل الغضب واقعا في شكل احتجاجات ومواجهات ومقاومة شرسة لجيش المستعمر.
حدة المقاومة بالبوادي والمدن زادت بعد صدور الظهير البربري، ما جعل التفكير في الاستقلال مطلبا شعبيا ومن قبل الحركة الوطنية، قبل تغليفه بغلاف السياسة، خاصة بعد الخروج في مظاهرات حاشدة لم تكبح تدفقها قوة السلاح والنار، فيما تولدت فكرة تقديم وثيقة للاستقلال بعد مؤتمر أنفا، من طرف وطنيين. وشكل استقلال المغرب تحت مظلة الراحل محمد الخامس وإحداث نظام سياسي شوري شبيه بنظام الحكم لدى عرب الشرق آنئذ، أهم المطالب التي تضمنتها الوثيقة، كما حفظ وصيانة حقوق كل الطبقات الاجتماعية المغربية، ما زكته عرائض التأييد التي أطلقت لاحقا بعد نحو أسبوعين خاصة بعد خروج الجماهير في مظاهرات حاشدة.
وشكل تقديم الوثيقة وفي تلك الظروف وغيرها مما ذكرته المصادر التاريخية، منعرجا حاسما في تاريخ المقاومة التي حركت المياه الجامدة واختبرت نوايا الاستعمار، الذي رد بهمجية عليها محولا الشوارع الغاصة بالمحتجين وصيحات الغضب، إلى حمام دم لم يمنع من صمود توج بعد نحو عقدين من ذلك، باستقلال المغرب.

حميد الأبيض(فاس)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى