fbpx
ملف الصباح

صـرخـة المـقـاومـة

إعلان الخروج من السرية نحو الكفاح المسلح

لم يكن تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال إلا محطة في مسار المغرب نحو التخلص من طوق الاستعمار، ذلك أن تاريخ 11 يناير الذي يخلد المغاربة ذكراه سبقته مذكرات ورسائل وتلته سنوات طويلة من الكفاح المسلح، ففي مثل هذا اليوم من 1944 قدمت وثيقة المطالبة بالاستقلال للملك الراحل محمد الخامس وسلمت نسخة منها للإقامة العامة ولممثلي الولايات المتحدة وبريطانيا بالرباط، كما أرسلت نسخة منها الى ممثل الاتحاد السوفياتي.
لكن استعداد الحركة الوطنية لهذا الامتحان الكتابي، الذي كانت بمثابة إعلان الخروج من السرية نحو سنوات طويلة من الكفاح المسلح، بدأ سنوات قبل ذلك مع صدور”الظهير البربري” في 1930، الذي أعقبته مواجهات ومعارك ضد التدخل الاستعماري، مرورا بتأسيس كتلة العمل الوطني، التي صاغت قياداتها مذكرات ورسائل حملت أصوات التحرر، خاصة بين 1934 و1936، في الوقت الذي استمر فيه النضال بالمدن والبوادي من أجل تعميق الشعور الوطني وتعبئة المواطنين في أفق انتزاع الحرية والاستقلال، والمرور من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، على حد تعبير الملك الراحل محمد الخامس عند عودته من منفاه عبر معاهدة “إكيس ليبان”.
وانسجاما مع مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، حدث تحول نوعي في طبيعة ومضامين المطالب، إذ انتقلت من المطالبة بالإصلاحات إلى المطالبة بالاستقلال، فكانت لهذا التحول انعكاسات على مسار العلاقات بين سلطات الإقامة العامة للحماية الفرنسية وبينها وبين الحركة الوطنية التي كان بطل التحرير والاستقلال والمقاوم الأول جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه رائدا لها وموجها وملهما لمسارها، بإيمان عميق وعزيمة راسخة وثبات على المبادئ والخيارات الوطنية.
وتكثفت الاتصالات واللقاءات بين القصر والزعماء والقادة الوطنيين من طلائع الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير، وبرزت في الأفق فكرة تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال بإيحاء من جلالة المغفور له محمد الخامس، ثم شرع الوطنيون في إعداد الوثيقة التاريخية بتنسيق محكم مع جلالته وتوافق على مضمونها.
وأشار الملك الراحل بما تمليه حنكته السياسية من أفكار وتوجهات كفيلة بإغناء الوثيقة التاريخية والحرص على تمثيلها لكافة الفئات والشرائح الاجتماعية وأطياف المشهد السياسي في البلاد، إذ تم تقديمها بعد صياغتها النهائية إلى الإقامة العامة، وسلمت نسخ منها للقنصليات العامة للولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، كما أرسلت نسخة منها إلى ممثلية الاتحاد السوفياتي آنذاك.
وتضمنت وثيقة المطالبة بالاستقلال جملة من المطالب السياسية والمهام النضالية، تتعلق بالسياسة العامة بشأن استقلال المغرب تحت قيادة ملك البلاد الشرعي سيدي محمد بن يوسف، والسعي لدى الدول التي يهمها الأمر لضمان هذا الاستقلال، و انضمام المغرب للدول الموافقة على وثيقة الأطلنطي (الأطلسي) والمشاركة في مؤتمر الصلح، وأيضا تتعلق بالسياسة الداخلية، تجسدت من خلال الرعاية الملكية لحركة الإصلاح وإحداث نظام سياسي شوري شبيه بنظام الحكم في البلاد العربية والإسلامية بالشرق، تحفظ فيه حقوق وواجبات كافة فئات وشرائح الشعب المغربي.

ياسين قُطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى