fbpx
ملف الصباح

القضاء … الداخل إليه مفقود

تذبذب ثقة المواطن في المحاكم ومتدخلون في قفص الاتهام

لم تتوقف أوراش إصلاح العدالة، رغم استقلال السلطة القضائية، ومازال مسؤولوها يبحثون عن الوصفات الأنجع لتحقيق العدل بين الناس، فالأمر لا يتوقف على القضاة وحدهم، بل يمتد إلى مختلف المهن اللصيقة بالتقاضي، وكذا إلى التنشئة الاجتماعية.
قضايا مازالت مفتوحة منذ عهد الراحل بوزوبع، وزير العدل الأسبق، وأخرى ما تكاد تصل درجة من التقاضي، حتى تعود أدراجها إلى نقطة الصفر، وحيرة متقاضين، لم يجدوا أمامهم من وسيلة للتعبير عما عاشوه خلال كل هذه السنوات، من أجل انتزاع ما يعتبرونه حقا لهم، إلا وسائط التواصل الحديثة، (فيسبوك ويوتوب وغيرهما)، التي وإن لم تكن تحقق العدل أو القانون، فإنها على الأقل تحقق دعما نفسيا لما يتلقاه من بثوها من رسائل التضامن والتشجيع على مواصلة طرق الأبواب.
وراهنت محاكم المملكة على النجاعة، من خلال تصفية الملفات العالقة والبت في آجال معقولة، فوجدت نفسها في آخر المطاف أمام تنافس بينها في تقديم الإحصائيات وتصفية المخلفات، بصورة شكلية، بينما واقع الأمر أن ملفات لم تبارح المحاكم وأعيدت مساطرها من البداية، لأن أحكامها لم تحقق المطلوب ولم تفض النزاع، أو تفصل فيه، وأنتجت أحكاما «فارغة»، تحت عنوان عدم قبول الدعوى، ما سبب استياء العديد من المرتفقين بالمحاكم، إذ تجبر هذه الأحكام الشكلية المتقاضين على إعادة مساطر التقاضي ودفع رسوم جديدة، وكذا تكبد أشهر إضافية من التنقل من وإلى المحكمة، حسب جدول الجلسات التي قد تستغرق تسعة أشهر.
وعزا متتبعون أسباب جنوح القضاء إلى الحكم بعدم القبول، عوض الفصل في النزاع، إلى معايير وضعتها وزارة العدل لتقييم أداء المحاكم حسب عدد الملفات التي تنتجها، أي التي تصفيها في السنة الواحدة، وكلما كان العدد كبيرا، كلما ارتقت المحكمة إلى لون من الألوان التي تنوه بمردوديتها، حسب البيان المعمول به في الإحصائيات الرسمية، لتتسبب المردودية في قتل النجاعة، التي كانت فلسفة واضعي معاييرها تنصرف بالأساس إلى تقييم الأداء بالمحاكم وتصفية الملفات وعدم تراكمها والسرعة في البت. لكن الإكثار من أحكام عدم القبول ضربت أهم أهداف تسريع المحاكمة، وسببت تمديدا زمنيا للتقاضي فتتغير أرقام ملفات الأطراف نفسها لتدرج في إحصائيات ملفات السنة المقبلة بأرقام مغايرة.

سماسرة
لا تتوقف معاناة المتقاضين في هذا الشق فقط، بل تتعداه إلى مجالات عديدة ذات صلة، ضمنها سماسرة المحاكم، والشهادات الطبية التي تسلم على سبيل المحاباة، والخبرات الفنية التي تعهد بها المحاكم إلى خبراء غير متخصصين في الموضوع المراد الاستشارة فيه وتوليد قناعة القاضي، والارتشاء الذي من كثرة خطورته وانعكاسه على تحقيق العدل، أصبح له رقم مباشر تشرف عليه رئاسة النيابة العامة، والذي فضح الكثير من الحالات، ناهيك عن باقي المتدخلين كل حسب دوره في إنقاص ثقة المتقاضي.
وبعيدا عن هذه الجوانب، تظل القوانين بدورها محط مطالب بالتعديل أو التحيين أو توحيد الاجتهادات بخصوصها، فالكثير من الأحكام القضائية تسعى جاهدة إلى تحقيق القانون، لكنها تعجز عن تحقيق العدالة.

المصطفى صفر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق