افتتاحية

استقالة واستقالة

في فبراير 2018، وقف “مايكل بيتس”، وزير الدولة للشؤون الدولية والتنمية بحكومة بريطانيا، أمام مجلس اللوردات، وقدم استقالته من منصبه، معتذرا للأعضاء عن تأخره خمس دقائق عن بداية جلسة كانت مخصصة لموضوع المساواة في الدخل.
دخل “بيتس” مهرولا إلى القاعة، وصعد إلى المنصة، وبلع ريقه، ثم قال بكلمات مقتضبة ومؤثرة إنه يشعر بالعار لاقترافه خطأ جسيما في حق مؤسسة دستورية، قبل أن يلتفت إلى الرئيس ويستأذنه في تقديم استقالته، وينسحب.
هكذا تبدو الصورة في الدول التي تحترم مؤسساتها الدستورية وتضعها في مكانة أقرب إلى القداسة، وتعتبر الاستهتار بها ولو سهوا، أو بطريقة غير مقصودة، خطيئة لا تغتفر مدى الحياة، ولو ذبحت على محرابها “استقالة”.
أما في المغرب، فيمكن أن يغيب جميع الوزراء ورئيسهم عن جلسات مجلسي البرلمان، دون أن تتحرك فيهم وخزة ضمير أو يرف لهم جفن، بل الأنكى من ذلك، يجدون من يدافع عن “غيابهم”، ويخرق القانون الداخلي، ويتناول نقطة نظام خارج السياق ويضع ممثلي الأمة أمام خيارين: خليوني ندوي، أو نقدم استقالتي!!
استقالتان داخل مؤسستين للأمة:
– واحدة في بريطانيا قدمها وزير انتصارا لمشروعية المؤسسة وشرعيتها.
– وأخرى في المغرب هدد بها وزير دولة، دفاعا عن التسيب والاستهتار بمؤسسات الدولة وتحقيرها، وعن العجرفة وخرق القانون الذي من المفروض أن يكون الرجل أول حراسه وسدنته، باعتباره مكلفا بالعلاقة مع البرلمان.
فإذا كان وزير بريطاني أحس بالعار لمجرد أنه تأخر خمس دقائق عن جلسة عمومية وقدم استقالته فورا أمام كاميرات العالم، فبماذا يمكن أن يشعر وزراء سعد الدين العثماني (أو بعضهم على الأقل)، الذين يتأخرون بالأيام والشهور، ومنهم من لا تطأ قدماه المجلسين الموقرين إلا عندما يرتدي جلبابا أبيض وطربوشا أحمر ويحضر في الافتتاح الرسمي، الذي يرأسه جلالة الملك، ثم يختفي بعد ذلك.
فليس هناك أي مبرر على الإطلاق لغياب وزير عن جلستي البرلمان الثلاثاء والأربعاء خلال دورات التشريع، إلا ما كان معروفا مسبقا ومعلوما به، من قبل ممثلي الشعب، مثل سفر طارئ، أو موت، أو مرض مزمن.
غير ذلك، يمكن بسهولة أن نحل كل هذه المؤسسات ونكف عن الانتخابات والتصويت واختيار البرلمانيين ونعود إلى عصر ما قبل السياسة والديمقراطية، إذا اقتنع وزراء أن كل هذا الذي يجري في المغرب مجرد “تخربيق”.
إن الموضوع أخطر من “نرفزة” وزير و”قسمه”، لأنه يمس منسوب الثقة في مؤسسات الدولة، ويبعث رسائل سيئة إلى المجتمع، مفادها “إذا كان الوزراء لا يحترمون المؤسسات، فكيف نحترمها نحن؟”.
الرسالة واضحة،
فهل من ملتقط؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق