الأولى

“قلة الترابي” … تمرد اللئام

أحزاب مشغولة ونقابات مشلولة ومدارس معزولة ترمي ثوابت الأمة في معترك التشرميل

غابت مشاهد كثيرة كانت تزين شريط الحياة اليومية للمغاربة منذ القدم، وانهارت قيم كانت تشكل ركائز صرح مجتمع متماسك متضامن، فلم يعد أولاد الحي يتسابقون لتقبيل يد شيخ عائد من المسجد، ولا أحد يبالي لأم قادمة من السوق مثقلة بقفة أو “وصلة” خبز، كنا في السابق نخجل أن نتركها تمر دون مساعدتها.
وحتى داخل أسوار المدارس التي يحرص المديرون على تزيينها بكتابات، من قبيل صرخة أحمد شوقي: “إنما الأمم الأخلاق…”، أصبح الحال غير الحال، تعليم أجوف وتربية غائبة، فقد أصبح المعلم يضطر إلى الهروب خوفا من “تشرميل” التلاميذ، ولابد للفتاة من مرافق يحميها من “سيبة” المتحرشين وللطفل الصغير من حارس يقيه شر ذئاب بشرية نسفت لحمة الأمن والطمأنينة.
لطالما وصف المغاربة ممارسات أقل خطورة، مما سبق ذكره بـ “قلة الترابي”، إذ كان من غير المقبول خرق واجب الاحترام لمن هم أكبر سنا، أما وقد عنف الأب، وضربت الأم، واغتصب بيت الجيران، وصفع الشرطي وطعن القائد وحوصر رجال الدرك وانتهكت حرمة المسجد وأنزل الإمام من منبره، فإنها علامات لانعدام “الترابي”.
وفي ظل حالة الموت السريري للأحزاب السياسية والمركزيات النقابية، التي تخلت عن رسالتها الأساسية، التأطير السياسي والتربية على الوطنية، وصل “التشرميل” حد ابتزاز الدولة والتجرؤ على الملك و”تقليل الترابي” ضد كل الثوابت، التي تحصنها دولة ديمقراطية بعقوبات مشددة، إذ أن القضاء الفرنسي لا يتسامح مع من يسيء إلى مبادئ الجمهورية.
فقد خرج إلى ساحة الرأي العام أناس يسترزقون باسم حرية التعبير، ويجمعون أموال مواقع التواصل بالإساءة والتحقير والتشهير والسب والقذف، إلى أن قررت النيابة العامة تفعيل القانون الجنائي لمواجهة “بلطجة” مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأت في التطبيق المباشر للمقتضيات الواردة في المادتين 179 و180 من القانون المذكور، لوقف مسلسل الابتزاز الإلكتروني والمتاجرة في أعراض المغاربة.
كان لا بد من الجهر بخطورة الوضع جراء ضعف التلقين الأسري وابتعاد المدرسة عن وظيفتها وهرولة الأحزاب إلى المصالح الخاصة والامتيازات، للحد من نزيف الاستهتار والتدخل لمنع انتشار خطابات، تتضمن عبارات سب للمواطنين ووصفهم بأوصاف مهينة وحاطة من كرامتهم وتمس بمؤسسات دستورية، وفي مقدمتها الملكية.
لم يكن البعض في مستوى قرار سابق للملك بعدم متابعة مهاجميه، لكن اللئام تمردوا على سماحة الكرام، ووجب إعمال القانون في حقهم، إذ لا يمكن أن توضع نصوص ولا تطبق، كما هو الحال بالنسبة إلى الفصل 179، الذي يعاقب بالحبس كل من ارتكب قذفا أو سبا أو مسا بالحياة الخاصة، لشخص الملك أو لشخص ولي العهد، أو أخل بواجب التوقير والاحترام لشخص الملك ولأعضاء الأسرة المالكة.
ياسين قُطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق