حوادثمقالات الرأي

احفوض: مدونة الشغل والحماية القانونية للاستثمار

يمكن للأجير الذي فصل عن الشغل لسبب يعتبره تعسفيا اللجوء إلى مسطرة الصلح التمهيدي (الحلقة الخامسة )

بقلم: رشيدة احفوض*

من آخر اجتهادات محكمة النقض بخصوص وثيقة الاستقالة، أن الأجير الذي أدلى باستقالته وهو بمحضر الشرطة نتيجة شكاية قدمت من طرف المشغل يجعله في حكم المستقيل اضطراريا، لأن إرادته جاءت معيبة بأحد عيوب الرضى ألا وهو الإكراه (قرار عدد 1244 الصادر بتاريخ 26 شتنبر 2013، ملف اجتماعي عدد 993/5/2/2012).
ولا يترتب عن الاستقالة أي أثر قانوني، إذا ثبت استمرار الأجير في تأدية العمل بعد تاريخ الاستقالة (قرار محكمة النقض عدد 813 مؤرخ 16 يونيو 2011 ملف اجتماعي عدد 1199/5/1/2010).
واعتبرت محكمة النقض أن شرط المصادقة على الاستقالة ليس بإلزامي، قرار عدد 1057 الصادر بتاريخ 15 شتنبر 2011 ملف اجتماعي 1869/5/1/2009، منشور بمجلة قضاء محكمة النقض العدد 74 جاء فيه:
اعتبار إقرار الأجير بتقديمه للاستقالة كاف للأخذ بهذه الاستقالة دون شرط المصادقة على صحة إمضائها، لأن الغاية التي توخاها المشرع من المقتضى القانوني المنصوص عليه في المادة 34 من مدونة الشغل قد تحقق، مادام الأجير قد أقر بمقاله الافتتاحي تقديمه للاستقالة المنسوبة إليه.
إن تقديم الاستقالة من طرف الأجراء خصوصا ذوي التخصص، من شأنها أن تؤثر على أداء المقاولة وعلى تشجيع الاستثمار.
– الإشكالية السادسة : إشكالية الخيار بين الرجوع إلى العمل أو التعويض :بناء على الخطابات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى للبرلمان في 11 أكتوبر 2002 وبتصدير مدونة الشغل جاء فيه:
“… ولن نتمكن من تشغيل الفئات الواسعة من شبابنا إلا بتحقيق التنمية الاقتصادية التي تظل رهينة بحفز الاستثمار، ثم الاستثمار، الذي سأظل أعمل من أجل إزاحة عوائقه، حتى يصير المغرب إن شاء الله ورشا كبيرا للإنتاج وخلق الثروات، وذلك ما يتطلب الالتزام بحسن تدبير الشأن العام، والإسراع بالإصلاحات العميقة، الإدارية والقضائية، والجبائية، والمالية، وتأهيل المقاولات، والتركيز على القطاعات التي لنا فيها مؤهلات، وتنافسية وإنتاجية، والنهوض بالتنمية القروية، مؤكدين وجوب إقرار القانون التنظيمي للإضراب، ومدونة عصرية للشغل، يعرف فيها كل من المستثمر والعامل حقوقهما والتزاماتهما مسبقا، وذلك في نطاق ميثاق اجتماعي تضامني شامل…”.
إن التنمية الشاملة للبلاد إذا كان من عواملها تشجيع الاستثمار، دعم المقاولة وضمان الحقوق الأساسية للطبقة الشغيلة كما قررتها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، نظرا لخطورة الفصل على الأجير وكذا على المستثمر. تدخل المشرع المغربي بمجموعة من الضمانات لحماية الأجير من الفصل التعسفي والمستثمر من الأزمة الاقتصادية، توازن بين الحماية القانونية للأجير من أن يكون عرضة للفصل التعسفي وبين المحافظة على المقاولة وعلى الاستثمار الذي هو أساس الاقتصاد الوطني، ما هي الإشكاليات التي تطرح بمدونة الشغل خصوصا عند طرح إشكالية الخيار بين الرجوع إلى العمل أو التعويض تطبيقا لمدونة الشغل والاجتهاد القضائي لمحكمة النقض.
تنص المادة 41 من مدونة الشغل:
“…يحق للطرف المتضرر، في حالة إنهاء الطرف الآخر للعقد تعسفيا، مطالبته بالتعويض عن الضرر.
لا يمكن للطرفين أن يتنازلا مقدما عن حقهما المحتمل في المطالبة بالتعويضات الناتجة عن إنهاء العقد سواء كان الإنهاء تعسفيا أم لا.
يمكن للأجير الذي فصل عن الشغل لسبب يعتبره تعسفيا اللجوء إلى مسطرة الصلح التمهيدي المنصوص عليه في الفقرة 4 من المادة 532 أدناه من أجل الرجوع إلى شغله أو الحصول على تعويض. في حالة الحصول على تعويض، يوقع توصيل استلام مبلغ التعويض من طرف الأجير والمشغل أو من ينوب عنه، ويكون مصادقا على صحة إمضائه من طرف الجهة المختصة، ويوقعه بالعطف العون المكلف بتفتيش الشغل.
يعتبر الاتفاق الذي تم التوصل إليه في إطار الصلح التمهيدي نهائيا وغير قابل للطعن أمام المحاكم. في حالة تعذر أي اتفاق بواسطة الصلح التمهيدي، يحق للأجير رفع دعوى أمام المحكمة المختصة، التي لها أن تحكم، في حالة ثبوت فصل الأجير تعسفيا، إما بإرجاع الأجير إلى شغله أو حصوله على تعويض عن الضرر يحدد مبلغه على أساس أجر شهر ونصف عن كل سنة عمل أو جزء من السنة على أن لا يتعدى سقف 36 شهرا…”.
عقد الشغل يستمد صفته من طبيعته الذاتية، إذ أن ادعاء الطرفين لنوع العقد لا يلزم المحكمة من حيث الوصف، بل يبقى لها تكييفه حسب ظروف الحال، مع الاستعانة بالنصوص القانونية، وإذا ما تبين أن إنهاء عقد الشغل كان تعسفيا، فإن العقد ينتهي وعلى كل من ثبت التعسف من جانبه أن يعوض الفريق الآخر عما أصابه من جراء هذا الإنهاء، وإذا ما انتهى عقد الشغل ثار الكلام حول ما يترتب عن هذا الإنهاء من آثار، وإذا كان الإنهاء من طرف المشغل، يستحق الأجير تعويضا وقد تأمر المحكمة بإرجاعه إلى عمله. المادة 41 من مدونة الشغل أبقت على الإشكالية نفسها التي كانت مطروحة في القانون القديم بمقتضى الفصل 6 من النظام النموذجي المؤرخ في 23/10/1948، التي كانت تخول للمحكمة إما الحكم بالتعويض أو بإعادة الأجير إلى منصبه، والسؤال المطروح، عندما يتقدم الأجير المفصول تعسفيا عن العمل بدعوى أمام المحكمة تتضمن المطالبة بالرجوع إلى العمل فقط هل ستستجيب المحكمة لهذا الطلب؟ أم عليها مطالبة الأجير بإصلاح المقال والتنصيص على التعويض؟ وإذا طالب الأجير بالإرجاع للعمل وكذا التعويض، هل يحكم بالإرجاع للعمل أم التعويض؟ هل للمحكمة في إطار دورها الإيجابي مطالبة الأجير بإصلاح مقاله الافتتاحي؟
مدونة الشغل أعطت الخيار للقضاء بين الإرجاع للعمل أو الحكم بالتعويض، وهو الخيار نفسه المخول للمحكمة في إطار القانون القديم الفصل السادس من النظام النموذجي مؤرخ 23/10/1943 (قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ 25 مارس 1974 ملف اجتماعي عدد 3940/1972).
يطرح الحكم بإرجاع الأجير لعمله مشاكل قانونية وعملية، من شأنها التأثير على الحماية القانونية للاستثمار، ذلك أنه يصعب إلزام المشغل بإعادة إدماج الأجير الذي فصله عن عمله، إذ في حالة امتناعه عن تنفيذ الحكم القاضي بالإرجاع للعمل، لا يكون أمام الأجير إلا رفع دعوى من جديد للمطالبة بالتعويض، إذا كانت إمكانية تطبيق الحكم بالإرجاع ممكنة في المؤسسات العمومية وشبه العمومية نعتقد أن الحكم بالإرجاع يجب تطبيقه على الأقل في حالة الفصل الذي أجري بناء على أسباب يحرم اعتمادها كمبرر خفي وظاهر للفصل، ويتعلق الأمر بالتمييز والاعتبار النقابي، وفصل مندوبي الأجراء والممثل النقابي، وفصل الأجيرة خلال إجازة الولادة (انظر ذ/ عبد العزيز العتيقي عقد الشغل برنامج USDOL لدعم العلاقات المهنية 21/3/2005 إلى 16/6/2005). مادام مضمن المادة 41 من مدونة الشغل هو نفسه الذي نص عليه الفصل السادس من النظام النموذجي 23 أكتوبر 1948 ينبغي الرجوع إلى التوصيات الصادرة عن الندوة الثانية للقضاء الاجتماعي المنعقدة بالمعهد الوطني للدراسات القضائية يومي 25 و26 فبراير 1991 التي أكدت ما يلي:
1 -التعامل مع دعوى الخيار بين الحكم بالتعويض أو الرجوع إلى العمل بكامل الحرص وفق المدلول الذي اتجهت إليه الندوة، وذلك باجتناب الاستجابة لطلب الرجوع إلى العمل إلا عند النص على ذلك في العقد الفردي أو الاتفاقية الجماعية.
2 -إثارة المحكمة في إطار دورها الإيجابي انتباه المدعي إلى تصحيح طلبه، وذلك في الحالة التي يتقدم بها بطلب الرجوع إلى العمل، كطلب وحيد قصد تحديد مبلغ التعويض عن الضرر تسهيلا لممارسة الخيار.

* مستشارة بمحكمة الاستئناف بالبيضاء
أستاذة بالمعهد العالي للقضاء
أستاذة زائرة بكلية الحقوق بطنجة
الرئيسة المؤسسة للجمعية المغربية للقضاة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق