حوادثمقالات الرأي

احفوض: مدونة الشغل والحماية القانونية للاستثمار

العاملون في القطاعات التقليدية لا يعتبرون أجراء بمفهوم مدونة الشغل (الحلقة الثانية)

بقلم: رشيدة احفوض*

من المقرر أن الغاية من وجوب إشعار العون المكلف بتفتيش الشغل بالقرار، الذي يتخذه المشغل عند فصل الأجير، تتمثل في إحاطة السلطة الحكومية المكلفة بالشغل، بكل نقص أو تجاوز في المقتضيات التشريعية والتنظيمية المعمول بها (الفقرة 3 من المادة 532 من مدونة الشغل)، باعتباره الجهة الأقرب لمراقبة الآثار القانونية المترتبة عن تطبيق مقتضيات قانون الشغل، وبالتالي فالقاعدة القانونية تقتضي حتما نفاذها، طالما أنها تضع نظاما للمعاملات وللمجتمع، ولا يصح القول بأنه مادام أن المشرع لم يرتب أي جزاء، فإنها تبقى غير عاملة، والقرار الاستئنافي لما اعتبر أن عدم تبليغ مقرر الفصل لمفتش الشغل يشكل إخلالا بمقتضيات المادة 64 من مدونة الشغل، ورتب الآثار القانونية عن ذلك، يكون ما انتهى إليه مرتكزا على أساس ومعللا تعليلا كافيا.
انظر القرار عدد 1079 الصادر بتاريخ 30 أبريل 2015 في الملف الاجتماعي عدد 2014/1/5/938 منشور بنشرة قرارات محكمة النقض عدد 19.
من كل هذا يتجلى أن المشرع المغربي من خلال تشريع مدونة الشغل، قد عمد من خلال إلزامية احترام مسطرة الفصل من قبل المشغل إلى دعم الحماية القانونية للاستثمار، من خلال الدور المتميز الذي يقوم به القاضي والمبادئ، التي يتعين عليه مراعاتها، عندما تكون المحكمة بصدد النظر في المنازعات ذات الصلة بالاستثمار، إذ أن مسطرة الفصل لا تثار تلقائيا من قبل المحكمة، وإنما من له مصلحة في ذلك، وهو عادة الأجير، وقد تثار بالمرحلة الابتدائية عند البت في النزاع وقد تثار لأول مرة أمام محكمة الاستئناف، وقد ساير المشرع المغربي في هذه المسطرة الاتفاقيات الدولة، بقرار لمحكمة النقض جاء فيه :
“فصل الأجير – خطأ جسيم – عدم احترام المادتين 62 و 63 من مدونة الشغل وكذا خرق الاتفاقية الدولية رقم 158 لمنظمة العمل الدولية المتعلقة بمسطرة الفصل التأديبي لسنة 1982 والمصادق عليها من قبل المملكة المغربية بتاريخ 07 أكتوبر 1993- عدم احترام الفصل التأديبي – طرد تعسفي .
تعد مقتضيات المادتين 62 و 63 من مدونة الشغل تنزيلا من المشرع المغربي للاتفاقية الدولية رقم 158 لمنظمة العمل الدولية المتعلقة بمسطرة الفصل التأديبي لـ 1982 والمصادق عليها، من قبل المملكة المغربية بتاريخ 07 أكتوبر 1993 . ولما كان الملف خاليا مما يفيد سلوك مسطرة الاستماع إلى الأجيرة أو ما يثبت توصلها بمقرر الفصل طبقا لمقتضيات المادة 63 من مدونة الشغل، فإن المشغلة لا يجديها القول بأنها لجأت إلى مفتش الشغل خلال 48 ساعة من تبنيها للخطأ الجسيم المرتكب من قبل الأجيرة، لأن مسطرة المادتين 62 و 63 من مدونة الشغل إنما شرعت من أجل عدم مباغتة الاجير بشأن العقوبة المزمع اتخاذها في حقه ولإتاحة الفرصة له للدفاع عن نفسه”.
قرار محكمة النقض عدد 501 الصادر بتاريخ 19 فبراير 2015، ملف اجتماعي عدد 2013/1/5/1935 منشور بنشرة قرارات محكمة النقض العدد 19.
– الإشكالية الثانية: المادة 4 من مدونة الشغل:
“يحدد قانون خاص شروط التشغيل والشغل المتعلقة بخدم البيوت الذين تربطهم علاقة شغل بصاحب البيت”. يحدد قانون خاص العلاقة بين المشغلين والأجراء وشروط الشغل في القطاعات، التي تتميز بطابع تقليدي صرف.
يعتبر في مدلول الفقرة الأولى أعلاه، مشغلا في القطاع الذي يتميز بطابع تقليدي صرف، كل شخص طبيعي يزاول حرفة يدوية بمساعدة زوجه وأصوله، وفروعه، وبمعية خمسة مساعدين على الأكثر، ويتعاطى حرفته إما بمنزله أو في مكان يشتغل به، قصد صنع المنتوجات التقليدية التي يهيئها للاتجار فيها.
تستثنى من نطاق تطبيق هذا القانون بمقتضى نص تنظيمي، يتخذ بعد استشارة المنظمات المهنية للمشغلين والأجراء الأكثر تمثيلا فئات مهنية من المشغلين.
تراعى في تحديد الفئات المشار إليها أعلاه الشروط التالية:
– أن يكون المشغل المعني شخصا طبيعيا.
– ألا يتعدى عدد الأشخاص الذين يستعين بهم خمسة.
ألا يتجاوز الدخل السنوي للمشغل المعني خمس مرات الحصة المعفية من الضريبة على الدخل.
صدر القانون بتحديد شروط الشغل والتشغيل المتعلقة بالعاملات والعمال المنزليين، ظهير شريف رقم 1.16.121 صادر في 6 ذي القعدة 1437 (10 غشت 2016) بتنفيذ القانون 19.12 بتحديد شروط الشغل والتشغيل المتعلقة بالعاملات والعمال المنزليين، الذي دخل حيز التنفيذ بتاريخ 02 أكتوبر 2018، ويعد هذا القانون خطوة إيجابية في اتجاه إنصاف هذه الفئة من العمال، بدءا من تغيير تسميتها في القانون من “خدم البيوت” إلى ” العاملات والعمال المنزليين”، وانتهاء بتقنين مجموعة من المقتضيات القانونية، التي يستفيد منها باقي الأجراء بمقتضى مدونة الشغل.
إن الفئات المتمثلة في العاملات والعمال المنزليين، المشغلين والأجراء الذين يشتغلون في القطاعات، التي تتميز بطابع تقليدي صرف، فئات مهنية من المشغلين، أهمية قصوى لأنه يعتبر من الإشكاليات. لقد أقصيت من تشريع مدونة الشغل، حيث يجهل القانون هذه الفئة الاجتماعية، إذ تم إخراجها من نطاق الحماية الاجتماعية، وإن كانت مدونة الشغل لا تطبق على هذه الفئات.
من هذه النقطة بالذات، تنطلق المفارقة مع وضعية القطاعات، التي تتميز بطابع تقليدي صرف، فئات مهنية من المشغلين، ظلت خاضعة لتشريع الشغل، إلى أن استثنتها المادة 4 من مدونة الشغل، إلى حين صدور نص تنظيمي صدر عنه، مشروع قانون هو قيد الإعداد في الأمانة العامة للحكومة، من هنا ستطرح إشكاليات مدونة الشغل والحماية القانونية للاستثمار !
هذا التعديل، هل غير من موقع الأجراء العاملين بالقطاع حين دخول مدونة الشغل حيز التنفيذ ؟ هل حرموا من الحقوق التي اكتسبوها على أساس عقد الشغل والتشريع المعمول به عند إبرامه ؟ ألا تكتنف وضعيتهم القانونية بعض الغموض؟
إلى غاية 7 يونيو 2004 كان يسري على القطاعات التي تتميز بطابع تقليدي صرف، فئات مهنية من المشغلين، قانون الشغل إلى أن أبعدته مدونة الشغل، يتوفرون على أوراق أداء، بطاقة شغل، تصريح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، لكنهم لا يعتبرون أجراء بمفهوم مدونة الشغل، والمحكمة الاجتماعية ملزمة بإبعاد وسائل إثباتهم المشار إليها أعلاه التي تفيد قيام العلاقة الشغلية في انتظار القوانين، التي ستنظم القطاعات التي تتميز بطابع تقليدي صرف وفئات مهنية من المشغلين والتي لم تصدر رغم مرور أكثر من خمس عشرة سنة.
قرار محكمة النقض عدد 799 وتاريخ 23 ماي 2013، ملف اجتماعي عدد 4/5/1/2013.
قرار محكمة النقض عدد 815 وتاريخ 30 ماي 2013، ملف اجتماعي عدد 1487/5/2/2012.

* مستشارة بمحكمة الاستئناف بالبيضاء
أستاذة بالمعهد العالي للقضاء
أستاذة زائرة بكلية الحقوق بطنجة
الرئيسة المؤسسة للجمعية المغربية للقضاة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق