مقالات الرأي

الفرفار: الغرفة 101 … ليس المطلوب تفسيرها لكن الخروج منها

انتهت مباراة الديربي بين الوداد و الرجاء بصافرة الحكم , لكن الحدث و مسلسل التفاعل مع اجواء المباراة و طبيعتها و حجم الجمهور لم ينتهي اظافة الى روعة الصور المنقولة و التي صنعت افقا جماليا بلا شك .
مثل كل الاحداث المهمة , فالحدث كان كثيفا , بليغا و برسائل عميقة , غامضة و ربما مشفرة من اجل فسح مساحات كبيرة لتعدد القراءات وفي افق منظوري .
الرسالة الاكثر اثارة للنقاش هو صورة الغرفة 101 و المتضمنة في العمل الروائي 1984 لجورج اورويل .
الكثير من الاراء تعتبر ان الرسالة بسيطة و ينبغي قراءتها في هذا الاطار , ك كرسالة مباشرة الى جمهور الوداد : ان القهر و العذاب في انتظارهم , الكثير من الاراء انتصرت لهذه الوجهة و لها ما يبررها .
لكن , بالرجوع الى تاريخ شعارات و اغاني جماهير الرجاء يتضح انها تحمل رسائل سياسية بدليل اغنية في بلادي ضلموني و التي تحولت الى اغنية للمقهورين و المهمشين و العاطلين و المحتجين تم تيفو المغنية الصلعاء ذات الدلالات السياسية الواضحة و كذا الانتصار للقضية الفلسطينية .
لذا و باستحضار هذا المعطيات يصبح قراءة الحدث في احاديته هو تعسف و ربما سوء فهم لعمل ابداعي يستحق ان يقرأ بهدوء :
اطلالة على رواية 1984
ونستون سميث بطل الرواية يعيش في “أوشانيا” / بريطانيا، بها أربع وزارات، وزارة الحقيقة/ الاعلام ، وزارة السلام/ الحرب ، وزارة الحب / الداخلية ووزارة الوفرة/ الاقتصاد .
مهمة وزارة الحقيقة / الاعلام التي يعمل فيها ونستون ، فمهمتها مراقبة الشعب والتصنت على المواطنين وتحطيم العلاقات الأسرية و تدمير كل ولاء معادي للحزب وللاخ الاكبر ، اما الوسيلة المعتمدة من طرف وزارة الحقيقة من اجل احكام السيطرة على العقول و على المواطنيين حيت التحكم في اللغة و في الاعلام و في الدين . و قد يصل الامر الى اختراع لغة جديدة من اجل اعادة كتابة التاريخ بما يتوافق مع المعتقدات والحقائق التي يريدها الاخ الاكبرا, لا شيء يصل العامة من الناس دون تغيير، والتاريخ دائما يتغير ليتناسب مع أقوال الأخ الأكبر، لذا من المستحيل معرفة الحقيقة. لان التحكم في الناس يكون بالتحكم في الماضي .
وزارة الحقيقة مهمتهما هي طمس الحقيقة و بناء حقيقة جديدة تلاءم مصلحة الاخ الاكبر
حيت صور الأخ الأكبرتملأ الساحات العمومية و الشوارع والبنايات والأماكن , تظهر صورته بارزة , له شارب كثيف أسود عريض ينظر بقسوة لمن ينظر إليه ليشعر الجميع بأنهم تحت المراقبة و لكي يشعرهم بالخوف و الرهبة .
في كل بيت توجد شاشات تلفزة تمجد الاخ الاكبر و تعرض انجازاته و تتحدث بقداسة عن اخباره . و تؤدي هذه الشاشات المنصوبة بالمنازل دورا ثانيا كوسيلة للرصد و التجسس على كل كل ما يقال بالمنازل حتى لو كان همسا او هذيانا اثناء النوم .
وزارة الحقيقة مهمتها اعادة كتابة الماضي / تزييفه لان الاخ الاكبر يعتقد ان التحكم في المستقبل يكون بالتحكم في الماضي , يقوم الحزب على إصدار معجم جديد يغير اللغة فيجعلها أضيق ليضيق الفكر من جراء ذلك، فتحذف بعض الكلمات منها مثل الحرية، ويتم تغيير معاني بعض الكلمات.بما يلاءم مصلحة الاخ الاكبر .
يقع ونستون في الحب مع فتاة اسمها جوليا، طبعا سيحال الى وزارة الحب , لكي يتم اخضاعه للعلاج من مرض الحب و منها يقاد الى الغرفة 101 و هي غرفة لها دلالات رمزية عميقة , انها غرفة اعادة البناء و اعادة التكوين و التاهيل و العودة الى الرشد ، وتقوم فكرة الرقم 101على أن الفرد يدخل وهو يشكل رقم واحد أي له هويته الخاصة ثم يُصبح صفراً أي طمس الهوية في افق اعادة بنائه من جديد ، ليصبح شخصا جديدا محبا و مواليا للحزب و للاخ الاكبر ومؤيد له،
ينهار وينستون عندما يتم أخذه إلى الغرفة (101) وهي غرفة تعذيب حتى الموت، حيث يضعون رأسه في قفص ويقربون منه جرذاناً ليأكلوا وجهه حتى الموت، عندها يصيح وينستون ويستسلم ثم يقول: ضعوا جوليا مكاني !
بعد أن يتم سحقه تماماً وبعد أن يتخلى عن إنسانيته وعن كرامته وعن عواطفه ويخون حبيبته يتم الإفراج عنه على أنه قد تم إعادة تأهيله !
هنا , وهنا يصرخ البطل “لاتفعلوا ذلك بي افعلوه بجوليا”، فيدركون أنه انتهى وأوصلوه إلى مرحلة العلاج من الحب و انه عاد الى رشده و بالتالي تمجيد الاخ الاكبر و حب الاخر الاكبر لان كل حب لشخص اخر هو كراهية للاخ الاكبر .
يخرج ونستون و يلتقي بحبيبته صوفيا يتحدثان ببرود ، يصف كلاهما احاسيسهما القديمة السابقة “بالسيئة” ، يقر كلاهما بخيانة الآخر، يفترقان بلا مبالاة، ويعود الصحفي إلى حياته السابقة بدخل أكبر ووضع مهني أفضل وبمصالحة مع الحزب وباتفاق على الاستمرار في عمله كصحفي مزَور للحقائق حفاظا على لقمة عيشه وتلافيا لتهديدات الحزب له بإعدامه . وزارة الحب و عبر الغرفة 101 اعدت تأهيل ونستون و جعلته يتخلى عن حبيبته وربما يكرهها من اجل حب الاخ الاكبر فقط ؟
تختتم الرواية عندما يكون وينستون جالساً في مقهى ليسمع أخبار انتصارات الحزب فيفرح جداً بها، ثم تظهر صورة الأخ الأكبر فيقول له بصدق: أحبك !
ان يعبر جمهور رياضي عن هواجسه افكاره و ربما احباطه بهذا الشكل التعبييري ** الغرفة 101 **, فالامر يشكل رسالة شديدة الحساسية , شديدة التعقيد كرسالة عميقة و قاسية .
ما فعله التراس الرجاء البيضاوي عبر تيفو الغرفة 101 هو نسف لافكار غوستاف لوبون في مؤلفه المهم ذهنية الحشود او سيكولوجية الحشود , حين اعتبر لوبون : ان الحشود لا تفكر , و ان مجرد الانخراط فيها يعني التخلي عن العقلانية و عن الحس النقدي .
و اعتبر ان معدلات الانفعال تكون عالية لدى الجماهير، مما يعني فقدان السيطرة على الذات و تكريس سلوك انفعالي و اندفاعي , لان الفرد داخل الحشود سيفقد قصديته وارداته اثناء الفعل الجماهيري, و يجد نفسه خاضع لإرادة الجمهور و مسلوب الارادة و جزءا من ذهنية عامة لها قوانينها الخاصة و المتحكمة في الافراد و في تصرفاتهم , القوة الحماسية للجمهور يصعب التحكم فيها و بالتالي تصبح محفزا لتعبئة الافراد و الجماعات .
ما وقع بمدرجات محمد الخامس هو فكر ناسف لتصورات لوبون , لانه اصبح واضحا ان وراء الالتراس / الحشود من المشجعين مجموعة من المفكرين و المثقفين المتاثرين بالادب العالمي , ولهم القدرة على التاثير في الحشود و تحويلها من حشود لا تفكر الى حشود تفكر و توجه رسائل سياسية قاسية و باسلوب ابداعي متميز .
سيكون من ضعف النظر اعتبار ان مفعول الرسالة كانت لحظيا و موجهة لجمهور الوداد و بشكل حصري , و ان الغرفة 101 المقيتة في انتظارهم , لان الرسالة على ما يبدو اكثر عمقا و اكثر تعقيدا , فهي شكل تعبيري عن الذات اولا قبل ان تكون تشهيرا بالاخر .
الوقائع تكشف ان جمهور الرجاء اصبح جمهورا سياسيا يتفاعل مع قضايا الوطن و المجتمع عبر مختلف اشكال التعابير الفنية و الغنائية , حيت تحولت المدرجات من اماكن للفرجة الى فضاءات مفتوحة للتعبيير السياسي عن الذات و عن هموممها
فالشعارات التي ترفع تتجاوزماهو رياضي ، و انما تعمل على توظيف ما هو رياضي لتمرير رسائل سياسية، اغنية في بلادي ظلموني نموذجا – المغنية الصلعاء و الغرفة 101 .
فالتعبيير السياسي في ؤالفضاءات الرياضية اصبح واقعا لانه يجد بيئة مناسبة على اعتبار الرقابة الاجتماعية و المؤسساتية المرتبطة بأجهزة الدولة تصبح غير فعالة نتيجة تشتيت المسؤولية و تعويمها و ارتفاع منسوب الحماسة الجماهيرية , و ان الرقابة تتشتت داخل الجماهير، وبالتالي تضعف المسؤولية الفردية، وتعوّض بالحماسة الجماهيرية , وهو ما يمنح الجمهور و المتفرجين اطارا حمائيا من اية متابعة , مما يساعد مواصلة التعبير الاحتجاجي على اواضاع غير مقبولة .
فالملعب يوفّر الاطار النفسي و الاجتماعي للاحتجاج و التعبير و الرفض وحتى المواجهة و العنف و التمرد ضد مؤسسات الدولة .
الاكيد , ان الرهان الاساسي من خلال قراءة الشعارات المرفوعة بالملاعب الرياضية الغرفة 101 نموذجا , هو حسن الانصات للمهمشين , ان الساسة قد تكلموا كثيرا و قد ان الاوان ان ينصتوا من اجل فعل استعجالي لفك شفرة قساوة الرسالة المحمولة في الغرفة 101 كغرفة يقيم فيها البسطاء و المقهورين و المعذبين و العاطلين عن العمل , فالرهان الاساسي و المصيري هو كيفية الخروج من الغرفة و ليس تفسيرها .

الفرفار العياشي: دكتوراه في علم الاجتماع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق