حوادثمقالات الرأي

الماحي: زواج القاصرات تحد حقوقي

الدكتور الماحي أكد أن دورية رئيس النيابة العامة تصور داخلي لحماية القاصرين دون المس بالمقتضيات القانونية والسياسة التشريعية

أجرى الحوار : حكيم لعبايد (خريبكة)

اعتبر الباحث والدكتـور عز الدين الماحي أن الرقم الذي أعلن عنه رئيس النيابة العامة في كلمته بملتقى مراكش حول عدد طلبات زواج القاصرات مخيف، ويستدعي وقفة للتأمل والمراجعة على جميع المستويات والمقاربات، بحكم أنها ظاهرة تحكمها أسباب عديدة من بينها الموروث الثقافي والديني. وأضاف الماحي أن مذكرة عبد النباوي هي لحث قضاة النيابة العامة لمناسبة تطبيق مقتضيات المادة 20 من مدونة الأسرة على تقديم الملتمسات والمستنتجات الضرورية، وعدم التردد في معارضة طلبات الزواج التي لا تراعي المصلحة الفضلى للقاصر.

> كشف رئيس النيابة العامة عن رقم مخيف بخصوص عدد طلبات الإذن بزواج القاصرات، في كلمته التي ألقاها على هامش الملتقى الدراسي المنظم بمراكش يومي 29 و 30 أكتوبر، كيف تقرأ هذا الرقم؟
> في حقيقة الأمر، وبعد اطلاعي وتفحصي للكلمة التي ألقاها رئيس النيابة العامة على هامش ذلك اللقاء والذي أشار من خلالها إلى أن محاكم المملكة توصلت بأزيد من 33600 طلب لزواج القاصرات سنة 2018، تبين أنه رقم مخيف ومقلق، ينسجم وتقرير التنمية البشرية في إفريقيا الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لـ2016، الذي أشار إلى أن نسبة تزويج القاصرات المغربيات بلغت حوالي 16%وهي ثاني أعلى نسبة في المنطقة المغاربية بعد موريتانيا 34 % .

> لماذا في نظركم هذا الرقم المرتفع؟
> في اعتقادي الشخصي، فإن هاته النسبة قد تكون مرشحة للارتفاع بالنسبة إلى المغرب، على اعتبار أنه ثمة العديد من الحالات الأخرى غير موثقة سواء على مستوى المدن أو القرى.
إذن نحن أمام ظاهرة اجتماعية مؤسفة، وتحد حقوقي، يستدعي وقفة وجيهة للتأمل والمراجعة على جميع المستويات والمقاربات بعد الدراسة والتأصيل للظاهرة التي تحكمها عدة أسباب من قبيل الموروث الثقافي (التقاليد والعادات) والديني، والوضع الهش لبعض الأسر التي تسعى إلى التخلص من أعباء الفقر والتهميش والهدر المدرسي، وغياب الوعي وانتشار الأمية لدى بعض الآباء الذين يستحضرون الوسط الذي يعيشون فيه، مما يفضي إلى المساس بحقوق الطفل المكفولة دستوريا ودوليا، وما تترتب عن ذلك من نتائج وخيمة من قبيل التفكك الأسري وتشرد الأطفال.

> بعض المنابر الإعلامية اعتبرت أن هذه التعليمات من شأنها فتح باب وضع سياسة تشريعية لقضايا خلافية، للبرلمان المنتخب والحكومة المنبثقة عنه وجهة نظر فيها، كيف يمكن تفسير هذا التخوف؟
> أعتقد أن مثل هذا الكلام مبني على مغالطات دستورية وقانونية، ولا يستند على أسس سليمة، ذلك أنه وبالرجوع إلى دستور 2011، سيما الفصل 71 منه، يتضح بجلاء أن مجال القانون أسند حصريا للسلطة التشريعية الممثلة في البرلمان. والنتيجة من هذا وذاك أنه لا يمكن لأية جهة أن تقاسمها هذا الاختصاص إلا وفق الدستور، وبالتالي فإن ما ورد في المذكرة 20 الصادرة عن رئيس النيابة العامة، والتي استحضرها من خلال كلمته في ضوء ذلك الملتقى، تندرج وكما سبق القول ضمن البناء و التصور الداخلي لرئاسة النيابة العامة جهة مستقلة، في ارتباط تام مع تنفيذها للسياسة الجنائية التي يضعها المشرع ومن خلال اتخاذها للعديد من الآليات والتدابير، التي تعكسها التقارير الصادرة عنها، انسجاما مع مقتضيات المادة 110 من القانون التنظيمي عدد 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية وبالتالي فالأمر لا ينصرف كما ذهب إلى ذلك البعض على أنه تصور تشريعي وفيه تطاول على اختصاصات المشرع والحكومة.

> كيف تفسرون ذلك؟
> القول بذلك يبقى عاريا من الصحة وغير حصيف ومبنيا على مغالطات، لا صلة لها بالدستور وبالقانون، وبالتالي فإن أي انتقاد يوجه للمادة 20 من مدونة الأسرة يتعين حله عن طريق المقاربة التشريعية بعد التأصيل للظاهرة في جميع أبعادها، وتوجيه سهام النقد لجهات أخرى، وجعل المناسبة مرتعا للمزايدات.

المذكرة رقم 20

في البداية لابد من الإشارة إلى أن مقتضيات الفصل 20 من مدونة الأسرة الصادرة بتاريخ 3 فبراير 2004 نصت على ما يلي:
“لقاضي الأسرة المكلف بالزواج، أن يأذن بزواج الفتى أو الفتاة دون سن الأهلية المنصوص عليها في المادة 19 أعلاه، بمقرر معلل يبين فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك، بعد الاستماع لأبوي القاصر أو نائبه الشرعي والاستعانة بخبرة طبية أو إجراء بحث اجتماعي.
مقرر الاستجابة بطلب الإذن بزواج القاصر غير قابل لأي طعن”.
الواقع أن مقتضيات هاته المادة أثارت العديد من النقاشات من قبل العديد من المهتمين على اعتبار أنها خولت للمحكمة صلاحية واسعة في منح الأذونات لزواج القاصرات استثناء من مقتضيات المادة 19 من مدونة الأسرة التي جعلت أهلية الزواج بالنسبة إلى الفتى والفتاة في 18 سنة شمسية، وبالتبعية وفي إطار الالتزامات الدستورية والقانونية لرئاسة النيابة العامة، وانطلاقا من المادة 3 من مدونة الأسرة التي تعتبر النيابة العامة طرفا أصليا في جميع القضايا الرامية إلى تطبيق أحكام هاته المدونة، فإن مذكرة رئيس النيابة العامة عكست تصورا عمليا داخليا وليس تصورا تشريعيا لحث قضاة النيابة العامة لمناسبة تطبيق مقتضيات المادة 20 من مدونة الأسرة على تقديم الملتمسات والمستنتجات الضرورية، وعدم التردد في معارضة طلبات الزواج التي لا تراعي المصلحة الفضلى للقاصر وجعل جلسات البحث مناسبة لتوعية القاصر الذي يغيب عنه الرشد الروحي والعقلي، ولفت الانتباه لمن يهمهم الأمر لاتخاذ الحلول الناجعة.
إذن فالدورية هاته عبارة عن تصور داخلي من أجل حماية القاصرين، دون المساس بالمقتضيات القانونية والسياسة التشريعية التي يضعها المشرع، ودون التدخل في المقرر الذي يتخذه القاضي المكلف بالزواج الذي تبقى له الصلاحية الكاملة لمنح الإذن بزواج القاصرات من عدمه.

في سطور:
< مزداد في 1973/03/19،
< دكتور في الحقوق
< مدير مجلة "محاكمة" (مجلة قانونية)
< عضو بالعديد من المختبرات والمراكز القانونية
< حاصل على شهادة الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة
< له عدة مقالات وأبحاث ودراسات
< له مجموعة من المقالات القانونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض