افتتاحية

حريات “تي جي في”

لا يحتاج المغاربة إلى وسيط للتداول في قضاياهم السياسية والمجتمعية، أو محرم يأخذ بيدهم في طواف الحياة، أو حتى إلى “أب” يحرس تلعثمهم، حين يناقشون الدين والسياسة والجنس والإجهاض.
المغاربة كبروا ونضجوا بما فيه الكفاية وشبوا كثيرا عن الطوق، وعكس ذلك، لا يوجد إلا في الجماجم التي مازالت تعتقد أن زمن الاستعمار والاحتلال مستمر ودائم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وما علينا نحن إلا أن نقبل هذا المنطق الأهوج ونخضع له.
وبهذا المنطق، تعتقد فرنسا أن ما يجري في المغرب يمسها بشكل مباشر، وينبغي عليها لزوما أن تحشر أنفها فيه، ولو تعلق الأمر بنقاش مجتمعي داخلي (بخصوصية كبيرة) حول الحريات الفردية، ومختلف القضايا الفقهية والدينية والجنسية والاجتماعية والقانونية ذات الصلة، والخلافات والاختلافات المرتبطة بها، وهو أمر حيوي وطبيعي في مجتمع حي ومتحرك ومتجدد.
وقد لاحظ المغاربة، على نحو غريب، كيف تركت “وسائل” إعلام فرنسية كل ملفاتها وتحقيقات وحوارات القرب، وتفرغت إلى الحريات الفردية بالمغرب والحق في الجنس الرضائي والإجهاض، بل إن صحيفة شهيرة تحولت إلى منصة لنشر العرائض وإهداء الصفحات المجانية والإعلانات الملونة إلى مجموعة من الفاعلين الحقوقيين و”ناشطي” المواقع الاجتماعية، تحت شعار “كلنا خارجون عن القانون”.
في الوهلة الأولى، قد “نتفهم” انخراط بلاد “الحرية والمساواة والأخوة” في حملة حقوقية لتوسيع هامش الحريات الفردية ومراجعة بعض فصول القانون الجنائي، لكن حين نعلم أن الحملة تتزامن (بالصدفة !!)، مع شروع المغرب في إطلاق عرض دولي لإبداء الاهتمام بتشييد الخط الثاني من القطار فائق السرعة البيضاء مراكش أكادير بملايير الدراهم، حينئذ يمكن أن نضع نقطة ونعود إلى السطر لنقول:
– إن لعبة التخفي في القضايا السياسية و”إحراجات” المجتمع والدين والأخلاق والديمقراطية لتحقيق مصالح مالية واقتصادية مع الدول لم تعد تجدي في عهد الصحون التكنولوجية الطائرة، والتداول “فائق السرعة” للمعلومة وقنوات التحليل والفهم.
– إن اللوبي الاقتصادي الفرنسي الذي راكم الملايير، سابقا، مستفيدا من مرحلة الرخاء والضغط بالصحراء والاستقرار والربيع العربي، عليه أن يفهم أن عالم الأعمال والمال تغير والبقاء، اليوم، للأصلح والأنجع والأجود وللعروض المنافسة الأقل، وفق دفاتر تحملات دقيقة ماليا وتقنيا وفنيا مرفقة بآليات للتتبع والتقييم والمراقبة.
– إن المغرب لم يعد مستعمرة حتى يرهن جميع مشاريعه لفرنسا، أو غيرها، بل دولة حرة في اختياراتها وتوجهاتها وبناء علاقاتها الدولية وفق المصلحة العليا للوطن والمواطنين، وليس وفق أهواء اللوبيات والشركات العابرة للقارات.
علاقات لا نقبل إطلاقا إلا أن تكون متوازنة ومنصفة وعادلة في إطار “رابح رابح”.
وليس بمنطق خالي “رابح” وخالتي “رابحة”، كما يريد سكان قصر الإليزي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض