ملف الصباح

لطفي: ميزانيـة الصحـة لا تتجـاوز 5 في المائـة

لطفي قال إن عودة الأمراض المعدية تعري زيف خطاب الحكومة

أكد علي لطفي، رئيس الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة -الحق في الحياة، أن الميزانية المخصصة لقطاع الصحة، لا تتجاوز 5 في المائة، منذ أزيد من 30 سنة، في الوقت الذي توصي منظمة الصحة العالمية، بألا تقل عن 10 في المائة، وتحقيق التغطية الصحية الشاملة. وأكد لطفي في حوار مع “الصباح” أن ظروف العمل المتدنية، تدفع الأطر الطبية وحتى التمريضية للهجرة، بحثا عن ملاذ آمن للعيش الكريم. في ما يلي تفاصيل الحوار:

< دقت الشبكة، أكثر من مرة، ناقوس الخطر بسبب وضع قطاع الصحة بالمغرب، فهل مازال الأمر قائما؟
< واقع قطاع الصحة ببلادنا مؤلم ويعيش حالة ترد فظيعة وبشهادة الجميع، على مستوى بنياته الأساسية والتحتية، وتجهيزاته المهترئة والمتقادمة، بل حتى الجديد منها يعرف أعطابا متكررة، أحيانا بفعل فاعل، بهدف توجيه المرضى إلى القطاع الخاص، فضلا عن عدم الالتزام ببنود صفقات الصيانة التي تكلف خزينة الدولة وميزانية المستشفيات أموالا باهظة. أما المستشفيات العمومية بما فيها المراكز الجامعية فتوجد في وضعية سيئة للغاية وفي منتهى الرداءة، ما حدا بالمواطنين المؤمنين لدى صناديق التأمين، وأحيانا حتى بعض الفقراء الذين سدت أمامهم الأبواب بالقطاع العام، اللجوء إلى العيادات والمصحات الخاصة من أجل الحصول على العلاج، ولو بأسعار باهظة وخارج التعريفة المرجعية الوطنية.
أما الميزانية المخصصة للقطاع، ونحن على أبواب ميزانية 2020 فلا تتجاوز 5 في المائة، منذ أزيد من 30 سنة، وتبقى بعيدة كل البعد عما توصي به منظمة الصحة العالمية، بأن لا تقل عن 10 في المائة، وتحقيق التغطية الصحية الشاملة، وهو هدف رئيسي من أهداف التنمية المستدامة.

< أكدت في تصريحات سابقة أن الصحة من القطاعات التي تساهم في ارتفاع معدلات الفقر، كيف ذلك؟
< يمكن الجزم أن الصحة في المغرب تعد من بين أكبر القطاعات العامة التي تساهم في ارتفاع معدلات الفقر والعطالة، بسبب تفشي وتزايد الأمراض المزمنة والمكلفة، وتدني مستوى الخدمات الصحية وجودتها بالقطاع العام، لهذا يضطر المرضى في الغالب إلى اللجوء إلى القطاع الطبي الخاص باهظ الثمن، أو التعايش والصبر غير المحتمل مع الألم. ومع زيادة الأمراض وتنوعها واستفحالها وارتفاع أعباء الإنفاق على العلاج، زادت نسبة الفقر.
مساهمة الأسر في التكاليف الإجمالية للصحة تتجاوز 60 في المائة، وفق نتائج الحسابات الصحية الوطنية، كما أن مظلة التأمين الإجباري عن المرض لم تتمكن إلى يومنا، من تغطية سوى 46 في المائة من السكان، علما أن أغلب المصحات تفرض أسعارا خيالية وإلى جانب ارتفاع أسعار الخدمات الطبية والصحية والأدوية، ما جعل الفئة المستفيدة من التأمين تؤدي من جيوبها 37 في المائة من تكلفة العلاج في إطار الثلث المؤدى، ناهيك عن المشمولين بنظام المساعدة الطبية لذوي الدخل المحدود "راميد"، والذي أكدت كل الدوائر الحكومية والبرلمانية فشله، لذلك ليس من الغرابة أن يلجأ الفقراء إلى تغطية تكاليف التشخيص وشراء الأدوية وبعض المستلزمات الطبية الجراحية من جيوبهم بما يعادل 76 في المائة.

< هناك اختلالات مجالية وأزمة في الموارد البشرية، بماذا تفسر ذلك؟
< يرسم أغلب المواطنين المغاربة، صورة باهتة عن وضعية القطاع الصحي في بلدهم، إذ يصطدمون في كل شوط من العلاج برداءة الخدمات وضعفها، وتعطل التجهيزات وطول المواعد، بسبب التفاوتات المجالية الصارخة على مستوى العرض الصحي، وتدني الخدمات الصحية في عدد من الجهات والمناطق، وسوء توزيعها وغياب التنسيق بين القطاعين العام والخاص، وغياب الخارطة الصحية الحقيقية لتغطية شاملة للجهات. كما ظل الاستثمار في المجال الصحي بمستشفيات بمواصفات حديثة تتوفر فيها جميع الخدمات والتخصصات الطبية هزيلا جدا، رغم صدور قانون يسمح بموجبه للمستثمرين من غير الأطباء ولوج عالم الصحة .
كما يلاحظ استمرار توزيع غير عادل للموارد البشرية، إذ أن 45 في المائة من الأطباء يوجدون في محور البيضاء الرباط، ولا تزال أغلب الجهات غير قادرة على الاستجابة لمتطلبات الرعاية الصحية لسكانها، والتخفيف مما ينفقه المريض من مبالغ مالية إضافية للتنقل إلى المدن الكبرى، من أجل التشخيص والعلاج أو بحثا عن طبيب اختصاصي.

< وماذا عن ظروف اشتغال الأطر الطبية؟
< يشتغل أطباء وممرضون وقابلات في ظروف صعبة أضحت محفوفة بكل المخاطر، منها اعتداءات المرضى، والإصابة بأمراض، بسبب غياب وسائل الوقاية، وطبية بسبب الاكتظاظ وغياب المستلزمات الضرورية، فضلا عن ضعف الأجور والتعويضات، خاصة مع ارتفاع تكلفة المعيشة، وهي عوامل تؤثر بشكل سلبي على الطاقم الطبي، الأمر الذي يدفعهم للاحتجاج أو إلى المطالبة بالاستقالة من القطاع العام. فهم يعيشون ظروفا صعبة وبأجر لا يتجاوز 8000 درهم في الشهر لطبيب قضى حياته في الدراسة والتحصيل، وعانى البطالة لمدة، ليواجه أعباء ومسؤولية كبيرة في المستشفيات والمراكز الصحية بالبوادي والسهر ليل نهار في المستعجلات ووحدات العناية على صحة المرضى وحياتهم.

< ما هي أبرز الاختلالات المسجلة في ما يتعلق بتدبير قطاع الأدوية؟
< تثير ظاهرة غلاء أسعار الأدوية أكثر من تساؤل، خاصة أن الفوارق فيها بين المغرب والدول الصناعية ذات المستوى المعيشي المرتفع، تتراوح ما بين 40 إلى 100 في المائة، ناهيك عن كمية الأدوية وجودتها وفعاليتها. ورغم التخفيضات المتتالية، في اسعار بعض الأدوية، إلا أنها تقتصر فقط على أدوية المستشفيات او ذات الاستهلاك الضعيف.
كما يعرف المغرب ظاهرة فقدان أدوية أساسية وضرورية للحياة في غياب تدخل سريع لوزارة الصحة كما يقع اليوم بالنسبة إلى دواء أمراض نفسية وعقلية وأمراض الغدد، بل وصل إلى مادة الأنسولين في القطاع العام.
كما تنتشر الأدوية المزورة والمغشوشة وذات الفعالية الضعيفة، في السوق الوطنية، وتشكل خطورة كبيرة على المرضى بسبب آثارها الجانبية الخطيرة. لذلك وجب على وزارة الصحة إعطاء أهمية للمنظومة الدوائية لوقف استنزاف جيوب المواطنين، ومتابعة المتاجرين بصحتهم.

< ما هي أسباب عودة بعض الأمراض يفترض أن يكون المغرب تخلص منها؟
< نحن أمام حصيلة وتراكمات سلبية جدا على مستوى المنظومة الصحية، توارثتها الحكومات في مجال الرعاية الصحية الأولية، خاصة بعد أن تخلت في العشرين سنة الأخيرة عن السياسة الوقائية وبرامجها، وتحولت إلى العلاجات الاستشفائية الثلاثية والمكلفة لخزينة الدولة، أي ترك المواطن تفترسه الميكروبات والفيروسات ويصاب بأمراض مزمنة، وبعد أن تكون الكارثة الصحية أصابت هدفها بأمراض القلب والشرايين والفشل الكلوي وأنواع السرطانات والسيدا وفيروس الكبد وغيرها، بسبب تراجع سياسة العلاجات الأولية الوقائية، بما فيها الصحة المدرسية وصحة القرب.
عودة الأمراض المعدية

انتشرت أمراض معدية، وبشكل خطير من قبيل داء السل الذي وصل إلى 37 ألف حالة جديدة سنويا، وما يسمى أمراض الفقر، علما أن عددا من الأمراض سبق التخلص منها باعتماد سياسة وقائية فعالة، لكنها عادت مرة أخرى، فضلا عن تفشي الفقر والبطالة وسوء التغذية والسكن غير اللائق وتلوث المياه، واستعمال المبيدات الزراعية وانتشار وترويج المخدرات في أوساط الشباب والأطفال.
فرغم وعود الحكومات بتوفير الخدمات الصحية الأساسية والأولية، وتقريب الصحة وخدماتها من المواطنين، وتحسين أداء القطاع الصحي بشكل ملموس في القرى والبوادي وهوامش المدن، لم توفق المنظومة الصحية الوطنية في إيجاد حل جذري لها، وبقيت مجرد وعود وشعارات انتخابية وتبذير ميزانية سنوية في سياسات ترقيعية تستفيد منها فقط شركات الأدوية والتجهيزات في صفقات سنوية تلتهم الميزانية دون نتائج على صحة المواطنين. إن القطاع الصحي بحاجة إلى مجهود كبير لتحسين أدائه وتلميع صورته وإعادة ثقة المواطن، من خلال إصلاح عميق للمنظومة الصحية وإصلاح نظام "راميد"، لجعل الاستفادة من الخدمات الصحية مجانية، وبالجودة المطلوبة، وتأسيس مجلس أعلى للصحة وتحسين ظروف عمل المهنيين، من أطباء وممرضين وإدارة صحية.

أجرت الحوار: إيمان رضيف

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق