حوادثمقالات الرأي

الخبرة ودورها في تحقيق العدالة

المشرع المغربي جعل أعمال الخبير خاضعة لمراقبة القضاء (2/2)

بقلم: ذ. عبد الرحيم بن سلامة *

يطلع الخبير المستشار المقرر أو القاضي المقرر، على كل الصعوبات التي تعترضه في أداء مهمته، ولا يجوز للخبير أن يمتنع عن إنجاز الخبرة التي كلف بها، وعليه إشعار الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف المسجل بدائرتها ـ فورا ـ بكل تغيير يطرأ على وضعيته تحت طائلة عدم تجديد تسجيله بالجدول، والوكيل العام يشعر وزير العدل بهذا التغيير، والوكلاء العامون لدى محاكم الاستئناف والرئيس الأول والوكيل العام لمحكمة النقض يتولون مراقبة الخبراء القضائيين المسجلين بالجدول الوطني للخبراء الوطنيين.
أنواع الخبرة القضائية
تنقسم الخبرة إلى خبرة قضائية، وخبرة اتفاقية وخبرة ودية، فالأولى يأمر بها القاضي، والثانية تكون باتفاق الطرفين وتخضع لنظام التعاقد، أما الخبرة الودية فهي تلك التي يلجأ إليها طرفا النزاع لإمكانية الاستعانة بها عند وجود نزاع، وعادة تكون هذه الخبرة لإثبات الحالة التي يكون عليها الشيء محل الاتفاق أو العقد وقت إجراء تصرف قانوني في شأن البيع الوارد على سلعة تتغير أوصافها وملامحها بعامل الزمن أو بتغيير المناخ، أما الخبرة القضائية فهي على خمسة أنواع:
فالخبرة بمعناها المطلق هي التي تأمر بها المحكمة تلقائيا أو بناء على طلب أحد الخصوم أو كلاهما، وعلى المحكمة إبراز الأسباب الداعية إلى إجراء الخبرة، وفي حالة رفض طلب إجرائها وجب عليها تعليل ذلك، والأصل في الخبرة أن المحكمة غير ملزمة بالاستجابة لطلب تعيين خبير، وأن الأمر متروك لسلطتها التقديرية.
وقد تسند الخبرة لواحد أو عدة خبراء، حسب أهمية وطبيعة وموضوع الخبرة، والنوع الثاني من الخبرة هو الذي يشمل القضية نفسها، ولكن تكون حول نقط مختلفة تماما عن تلك النقط التي تناولتها الخبرة الأولى، وقد يتم إسنادها إلى خبير واحد أو عدة خبراء، من قبل الخبير نفسه أو الخبراء الذين قاموا بأعمال الخبرة الأولى.
والنوع الثالث من الخبرة القضائية نعني به الخبرة المضادة وهي التي تنجز بناء على طلب الخصم الذي لم يقبل الخبرة المنجزة فيطلب إجراء خبرة مضادة يقوم بها خبير آخر.
أما النوع الرابع من الخبرة القضائية فيكون عندما ترفض المحكمة نهائيا الخبرة الأولى لأي سبب من أسباب البطلان، لعيب في الموضوع أو لعيب في الشكل، والنوع الخامس من الخبرة القضائية هو الخبرة التكميلية، وهي خبرة تأمر بها المحكمة عندما ترى نقصا واضحا في الخبرة المقدمة لها أو الخبير لم يجب عن جميع النقط الفنية المعين لإنجاز الخبرة من أجلها، ومعلوم أن المادة 59 من قانون المسطرة المدنية تنص على أن “القاضي يحدد النقط التي تجري الخبرة فيها في شكل أسئلة فنية لا علاقة لها مطلقا بالقانون…”، وقد جعل المشرع المغربي أعمال الخبير خاضعة لمراقبة القضاء، إذ نصت المادة 22 من قانون 45.00 على أنه: “يجب على الخبير أن يؤدي مهمته تحت مراقبة المستشار المقرر أو القاضي المقرر أو القاضي المكلف بالقضية”¡ وعليه فإن القاضي المقرر يتتبع مسار الخبرة ابتداء من تاريخ النطق بالحكم التمهيدي إلى تاريخ إيداع تقرير الخبرة بكتابة الضبط.
ومن المقتضيات الجديدة الهامة التي أقرها المشرع من خلال التعديل المضمن بالفصل 63 من قانون المسطرة المدنية، إجبارية استدعاء الأطراف ووكلائهم على حد سواء لحضور إنجاز الخبرة، ويتضمن الاستدعاء تحديد تاريخ ومكان وساعة إنجازها، وذلك خمسة أيام على الأقل قبل الموعد المحدد، ويجب على الخبير ألا يقوم بمهمته إلا بحضور أطراف النزاع ووكلائهم أو بعد تأكده من توصلهم بالاستدعاء بصفة قانونية، ما لم تأمر المحكمة بخلاف ذلك، إذا تبين لها أن هناك حالة استعجال… وإلا كانت الخبرة باطلة إذا لم تحترم فحوى الفصل 63 من (ق.م.م).
القضايا التي تتطلب تعيين خبير وأنواعها
هناك عدة قضايا تأمر المحكمة بإجراء خبرة للفصل فيها، كما أن أطراف النزاع يمكنهم أن يطلبوا تعيين خبير وتقبل المحكمة الاستجابة لرغبة طالب الخبرة، إضافة إلى القضايا المعروضة على المحاكم والتي يتطلب الفصل فيها إنجاز خبرة كثيرة ومتنوعة منها القضايا المدنية والتجارية والإدارية والجنائية ـ وضمنها قضايا حوادث السير ـ والقضايا الاجتماعية ـ قضايا نزاعات الشغل ـ وقضايا الأسرة…
وأغلب القضايا تحتاج إلى إنجاز خبرة قضائية من قبل خبير مختص في مجال النزاع المعروض على المحكمة، غير أن حوادث السير ليست بالضرورة أن يكون الخبير المكلف بإنجاز الخبرة طبيبا مختصا في العظام، لإنجاز تقرير خبرة على ضحية أصيب بكسر في عظامه، فالقاضي له الصلاحية بتعيين طبيب من أي تخصص طبي أو طبيب في الطب العام، بل الأكثر من هذا فيمكن للقاضي أن يعين خبيرا في التجميل أو القلب لإنجاز خبرة في العظام على مصاب في عظامه لأن كل طبيب درس في كلية الطب كل ما يتعلق بجسم الإنسان، فحسب المادة 237 من الظهير 25 يناير 1927 يشترط في الطبيب المعين لإنجاز الخبرة ألا يكون طبيبا معالجا للضحية أو طبيبا لمشغله أو طبيب شركة التأمين المؤمن لديها.
وعلى كل، فإن المحكمة لا تستغني عن الاستعانة بالأطباء الخبراء للتأكد من وجود عجز جزئي أو دائم، مع أن تقاريرهم لا تلزم القاضي، إلا أن الاستعانة والاستئناس بها أمر لابد منه لتفادي بناء الأحكام على الظن والتخمين، وهذا ما استقر عليه الاجتهاد القضائي حسب ما جاء في القرار 3470 الصادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 1999/12/1 في الملف المدني عدد 1997/96/68 المنشور بمجلة القضاء والقانون، 54، أضف إلى ذلك أن تقرير الخبير يكون عنصرا من عناصر الإثبات التي تخضع للسلطة التقديرية لقضاة الموضوع دون رقابة محكمة النقض ما لم يمنع عليهم أي تحريف لها (القرار 1179 الصادر بتاريخ 1999/3/10 في الملف المدني عدد 93/4000 المنشور في التقرير السنوي للمجلس الأعلى 2000-1999).

* قاض مستشار بمحكمة النقض
أستاذ بالمعهد العالي للقضاء سابقا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق