حوادثمقالات الرأي

الخبرة ودورها في تحقيق العدالة

هي علم يتطور مع التطور العلمي والتكنولوجي في جميع المستويات (2/1)

بقلم: ذ. عبد الرحيم بن سلامة *

مهنة الخبراء القضائيين نظمت بمقتضى الظهير الشريف رقم 126‪-‬01‪-‬1 بتنفيذ القانون رقم 45‪.00‬، إذ أولاها القضاء الفرنسي أهمية خاصة، واعتبرها بعض القضاة عين القاضي. لذلك يعتبر الخبراء القضائيون مساعدي القضاء يتولون بتكليف من المحكمة إنجاز تقرير الخبرة حول نقطة تقنية وفنية من دون أن يبدوا أي رأي في الجوانب القانونية، فالمحاكم تستعين بآراء الخبراء القضائيين على سبيل الاستئناس دون أن تكون ملزمة بها.

عرف الفقهاء الخبرة القضائية بأنها: “إجراء للتحقيق يعهد به القاضي إلى شخص مختص ينعت بالخبير ليقوم بمهمة محددة تتعلق بواقعة أو وقائع مادية يستلزم بحثها أو تقديرها أو على العموم إبداء رأي يتعلق بها علما أو فنا، لا يتوفر في الشخص العادي ليقدم له بيانا أو رأيا فنيا لا يستطيع القاضي الوصول إليه وحده. وبهذا المعنى فالخبرة علم وفن وإجراء في آن واحد، فهي علم يتطور مع التطور العلمي والتكنولوجي في جميع المستويات، فكلما تطور علم من العلوم إلا وجاءت معه نتائج سلبا أو إيجابا تقتضي وجود مختصين في مستوى هذا التطور، وعلى دراسة كافية به يمكن للقضاء الاستعانة بهم بإماطة اللثام عن المسائل التقنية والفنية موضوع الخبرة وجلاء ما غمض منها حتى يبت القاضي انطلاقا مما هو ثابت علميا، ليريح ضميره ويحقق العدالة المنشودة.
وهي فن قوامه المخرج بين ما هو تقني وعلمي وما هو قانوني ومسطري، وهذا العمل ليس في استطاعة كل إنسان القيام به، بل من الضروري أن يكون الخبير على درجة كبيرة من الإلمام بمتطلبات منه، حتى يكون التقرير المطالب بإنجازه منسجما ومتكاملا يعطي صورة حقيقية للقاضي حول النزاع المطروح أمامه.
وقد اهتم المشرع المغربي بالخبرة القضائية، شأنه شأن التشريعات المعاصرة، فتناول المشرع الخبرة في الفصول من 59 إلى 66 من قانون المسطرة المدنية والمواد من 319 إلى 332 من قانون المسطرة الجنائية، كما تحكم الخبرة القضائية قواعد أساسية أخرى موجودة في كثير من فروع القانون، كالقانون المدني والتجاري أو قانون الجنسية والقانون الجنائي، وتتميز الخبرة بأنها وسيلة من وسائل الإثبات ذات طابع علمي يجعلها تحتل مكانة مرموقة في ظل نظام الإثبات، لا يمكن للمحكمة الاستغناء عنها بأي حال من الأحوال.
ومجال الخبرة متسع متعدد الأبعاد، يتم اللجوء إليه لأسباب متنوعة تتمثل في تشعب واتساع المعارف الإنسانية في جوانبها التقنية والفنية والعلمية ووجود أحكام تشريعية، لا يمكن تطبيقها إلا بعد اللجوء إلى الخبرة.
والخبرة مهنة حرة نظمها المشرع المغربي بمقتضى القانون 45‪.‬00، والخبراء تجمعهم هيأة الخبراء القضائيين على غرار ما هو موجود في فرنسا، يقومون بمهامهم بكل حرية وتجرد واستغلالية، ولا يمكن للخبير ممارسة مهامه إلا بعد التسجيل في أحد جداول الخبراء القضائيين. ولكي يسجل الخبير في الجدول يشترط توفره على عدة شروط لمزاولة خبير مقبول لدى المحاكم سواء كان هذا الخبير شخصا ذاتيا أو معنويا، والخبير القضائي يمكن أن يكون خبيرا لدى إحدى محاكم الاستئناف أو خبيرا مسجلا بجدول المحاكم على الصعيد الوطني، ويقدم الخبير الذي يرغب في التسجيل في الجدول الوطني طلبه إلى الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف المسجل بجدول الخبراء القضائيين بها لإجراء بحث بشأنه شريطة أن يكون مسجلا بجدول الخبراء القضائيين لدى إحدى محاكم الاستئناف، فتنظر في طلبه لجنة مختصة تتألف من وزير العدل وعدة شخصيات قضائية تتخذ قراراتها بالأغلبية المطلقة لأعضائها، ويجوز للخبير الجمع بين التسجيل بجدول إحدى محاكم الاستئناف وبالجدول الوطني بعد موافقة اللجنة المختصة.
يؤدي الخبير عند تسجيله في الجدول الأول مرة اليمين التالية أمام محكمة الاستئناف التي سجل بدائرتها:
“اقسم بالله العظيم أن أؤدي مهام الخبرة التي سيعهد بها إلي بأمانة وإخلاص ونزاهة، وأن أبدي رأيي بكل تجرد واستقلال وأن أحافظ على السر المهني”.
ولا تجدد اليمين ما دام الخبير مسجلا في جدول الخبراء القضائيين، كما يجب على الخبير أن يؤدي مهمة الخبرة المكلف بها تحت مراقبة المستشار المقرر أو القاضي المقرر المكلف بالقضية المطلوب إنجاز تقرير الخبرة حولها.
ويمنع على الخبير تفويض المهام المسندة إليه إلى خبير آخر، وينجز الخبرة المكلف بها داخل الأجل المحدد له بمقتضى المقرر القضائي، ما لم تتم الموافقة على تمديد الأجل المطلوب له بناء على طلبه، ويعتبر كل تأخير غير مبرر في إنجاز الخبرة مخالفة مهنية تعرض الخبير للعقوبة التأديبية.
يحرر الخبير القضائي تقريرا يجب أن يتضمن وصف كل العمليات ونتائجها، وأنه أنجز شخصيا العمل الذي عهد به اليه وتوقيع تقريره.
إذا تعدد الخبراء المعينون وحدث اختلاف في آرائهم، وكانت لهم تحفظات في النتائج المشتركة، يبين كل واحد منهم ملاحظاته في التقرير المشترك مع إبداء تحفظاته المعللة.
ويودع التقرير والأشياء المختوم عليها أو ما تبقى منها لدى كتابة الضبط للمحكمة التي أمرت بإجراء الخبرة، ويثبت هذا الإيداع بواسطة شهادة من كتابة الضبط، إذا لم يقم الخبير بالمهمة المسندة إليه داخل الأجل المحدد له أو لم يقبل القيام بها، عين القاضي خبيرا آخر بدلا منه وأشعر الأطراف فورا بهذا التغيير، ويحكم على الخبير الذي لم يقم بالمهمة المسندة إليه أو رفض القيام بها بدون عذر مقبول، بأن يؤدي المصاريف والتعويضات المترتبة عن تأخير إنجاز الخبرة للطرف المتضرر كما يمكن الحكم عليه بغرامة مالية لفائدة الخزينة.
* قاض مستشار بمحكمة النقض
أستاذ بالمعهد العالي للقضاء سابقا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق