الرياضة

التحرش بالملاعب … جرائم بلا عقاب

قضية الرجاء طرحت علامات استفهام حول المتابعة النفسية والأطر وحالات مماثلة بفرق عالمية

فجرت قضية التحرش الجنسي التي تعرض لها لاعب من فئة الشباب بالرجاء الرياضي الأسبوع الماضي، بالملاعب، والتي مازالت تعتبر «طابو» عالميا وليس محليا فقط.
وفتحت واقعة مركب الوازيس الباب على مصراعيه للحديث عن قضايا ظلت هامشية في مجال التسيير داخل الأندية، رغم أهميتها، ومن بينها المتابعة النفسية للاعبين، إذ رغم محاولات بعض الأندية في هذا الشأن، غير أنها لا تأخذ الاهتمام اللازم، لحماية الممارسين شبابا كانوا أو كبارا، من الضغط الممارس عليهم من كل الاتجاهات.
وعانت مدارس تكوين فرق عالمية من الظاهرة خلال السنوات السابقة، لكنها كانت سببا في اتخاذ تدابير أكثر صرامة لحماية اللاعبين اليافعين خاصة، أهمها إجبار المؤطرين على اجتياز امتحانات نفسية وتقنية، قبل ولوج ميدان التكوين، ثم إجبار أولياء أمورهم على متابعة أبنائهم عبر برامج متطورة، تمكنهم من رصد كل صغيرة وكبيرة داخل مدارس التكوين، وهي خطوات بات من الضروري أخذها بعين الاعتبار محليا في المستقبل القريب.

ظاهرة عالمية

انتشرت بشكل كبير في السنوات الأخيرة، ظاهرة التحرش الجنسي في عالم كرة القدم، إذ عانت منها فرق عالمية، وجر خلالها مسؤولون معروفون إلى القضاء.
وسبق للكرة الفرنسية أن اهتزت على فضيحة مدوية نهاية 2018، أبطالها مؤطرون بمدرسة تكوين باريس سان جيرمان، بعدما فضحت وسائل إعلام محلية، ومن بينها صحيفة «ليكيب»، تورط بعضهم في ميز عنصري وتصرفات غير أخلاقية ضد لاعبين يافعين
وتجاوزت الفضيحة الممارسات غير الأخلاقية، بوضع تصنيفات للاعبين حسب أصولهم، إذ عانى من ذلك لاعبون أفارقة وآخرون متحدرون من آسيا ودول أمريكا اللاتينية.
واضطرت الحكومة الفرنسية إلى التدخل في القضية، وعرضها على القضاء لمعرفة كل ملابساتها، في وقت اعترفت فيه إدارة سان جيرمان بالواقعة، بعد تحقيق داخلي، لكنها نفت علمها بالموضوع، رامية بالمسؤولية على الإدارة التقنية.
ووصلت الفضيحة إلى أفضل دوري في العالم «البريمير ليغ» بإنجلترا، إذ فجرت ممارسات جنسية مع طبيبة تشيلسي المشهورة إيفا كارنيرو النادي اللندني، بعد إقالتها من مهامها بضغط من المدرب البرتغالي جوزي مورينيو.
وقررت الطبيبة فضح بعض ممارسات اللاعبين بالفريق، الذين كانوا يتصلون بها في أوقات متأخرة من الليل، في معسكرات النادي قبل المباريات، من أجل ممارسة الجنس معها، وهي أمور كانت خفية على إدارة النادي لسنوات.
وفي إنجلترا دائما، اعترف مسؤولو مانشستر سيتي بتعرض أطفال في مدرسة تكوينه لانتهاكات جنسية خطيرة، وهو ما دفعهم إلى صرف تعويضات بالملايين، بسبب الضرر الذي نتج عن هذه الاعتداءات.
وذكرت وسائل إعلام بريطانية من بينها «بي بي سي»، في بداية السنة الجارية، أن إدارة مانشستر سيتي مصدومة من نتائج التحقيقات في مدرسة تكوين النادي، والتي أكدت وجود اعتداءات جنسية على لاعبين في الفئات الصغرى، ووصل عدد الشكايات في الموضوع إلى أكثر من 40.
وجر النادي الأطر المسؤولة عن هذه الفضيحة إلى القضاء، من بينها باري بينيل الذي أدين ب 43 اتهاما، بعدما اعترف باعتدائه جنسيا على 12 لاعبا، في الفترة ما بين 1979 و1990.

تكوين الأطر … أين نحن ؟

تخضع الأطر في شتى المجالات إلى تكوين قبل ولوج الميدان، لكن اتضح مع مرور الوقت أنه ناقص، بعد تفجر مثل هذه الممارسات الشاذة.
وعلى غرار الأطر في الفرق العالمية، بات اليوم من الضروري إخضاع الأطر الوطنية إلى المتابعة النفسية، شأنهم شأن اللاعبين، من أجل تحسين طريقة تعاملهم مع الممارسين، وتجنب مثل هذه الأفعال المشينة.
ولجأت الفرق الأوربية مثلا إلى التكوين النفسي في بداية الألفية الثالثة، وهي الفترة التي انتشرت فيها اعترافات بعض الأطر بانتهاكات جنسية ضد لاعبين يافعين من مدرسة التكوين، في فرق معروفة مثل مانشستر سيتي الإنجليزي.
وكانت هذه الاعترافات بداية لاتباع طرق حديثة في المتابعة النفسية للاعبين، وصلت إلى حد إخضاع مسؤولين بالنادي إلى بعض الدورات التحسيسية النفسية، بما أن الهدف من كل هذا كان محاربة كل الممارسات الشاذة من تحرش جنسي وعنصرية وتمييز عرقي.
وإذا كان الموضوع في المغرب مازال “طابو”، فإن الوقت حان من أجل اتخاذ المتعين، وإجبار الأندية على إنشاء قسم خاص بالمتابعة النفسية للممارسين على الأقل، لتفادي الوقوع في حوادث مماثلة.
وفطن الرجاء الرياضي للأمر في بلاغه، وشدد على ضرورة اتخاذه لتدابير مواكبة للممارسين الآخرين، من أجل تفادي تكرار حادثة التحرش، إلى جانب متابعة اللاعب نفسيا داخل النادي، من أجل تحسين حالته النفسية والتعامل معها، خاصة أنه عبر عن غضب وتذمر على ما وقع.

ظروف السلوكات الشاذة

إلى جانب المتابعة النفسية الغائبة، فإن واقع مدارس كرة القدم في دوريات دول العالم الثالث، توفر بيئة خصبة لظهور مثل هذه السلوكات الشاذة.
ومن أهم الأخطاء التي يسقط فيها مسؤولو الأندية، ترك المؤطر وجها لوجه مع اللاعبين اليافعين، دون متابعة ولا مراقبة، ناهيك عن غياب كاميرات وأجهزة متطورة لرصد كل كبيرة وصغيرة في تداريب الفئات الصغرى.
ورغم أن كل هذه الأمور تحتاج لموارد مالية أكبر، لكنها باتت اليوم ضرورية من أجل تفادي مثل هذه السلوكات غير المقبولة، على غرار مراكز التكوين في فرق عالمية، إذ لا يسمح بانطلاق حصة تدريبية دون وجود كاميرات ومتابع نفسي للاعبين ومدرب ومدرب مساعد ومسؤول من الإدارة التقنية.

المتابعة النفسية… الغائب الكبير

بعد انتشار الظاهرة عالميا، باتت المتابعة النفسية للاعبين والأطر ضرورة ملحة في عالم كرة القدم، خاصة في مراكز التكوين، إذ بدأت بعض الفرق العالمية بجعلها قسما مستقلا بذاته داخل النادي، بالاعتماد على اختصاصيين علم النفس.
وجاء في بلاغ الرجاء الرياضي، بعد التأكد من واقعة التحرش على الشاب الممارس في مركز التكوين، أنه سيخضع الضحية وعائلته إلى متابعة نفسية دقيقة، شأنه شأن كل الممارسين الآخرين لتفادي تكرار الواقعة، وهي أمور يجب أن تكون بشكل مستمر على طول الموسم الرياضي.
ولجأت بعض الفرق في البطولة إلى الاعتماد على أطباء نفسيين لمتابعة اللاعبين، ناشئين وكبارا بالنادي، لكنها ظلت مرحلية، بسبب تعرض بعضهم إلى ضغط المباريات والجماهير.
ويعتبر الاتحاد الدولي الاعتماد على طبيب نفسي داخل الطاقم التقني ضرورة، لكنه لا يجبر الفرق عليه، إلا إذا حكم به القضاء من أجل حماية باقي الممارسين من ممارسات مماثلة.
ورغم الاحتياجات المالية الكبيرة لمثل هذه الخطوات، فإن منافعها أكبر، لتفادي الوقوع في حوادث لا تحمد عقباها.

عدم التصريح… الخوف من الفضيحة

لا تقتصر المتابعة النفسية على ما قبل الحادثة، بل تمارس حتى ما بعدها، إذ يصعب إقناع أولياء الضحايا بتقديم شكايات في الموضوع، لأن أغلبهم يريد تفادي الفضيحة.
وبسبب ذلك فإن المتابعة النفسية باتت ضرورة حتى بعد حادث ما، ليتسنى للتحقيق أخذ مجراه ومعرفة ما وقع بالضبط، لاتخاذ التدابير الضرورية الضامنة لعدم تكرار ما حدث.
وبالمنطق نفسه، فإن الفرق العالمية التي كانت ضحية لممارسات شاذة، سلكت الطريق نفسها، إذ أدت التحقيقات في ما بعد إلى اعترافات وعقوبات على أطر، فيما صرفت تعويضات لبعض الضحايا.

إعداد: العقيد درغام

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض