fbpx
الصباح السياسي

بروفايل: بنكيران… إطفائي يعشق الحرائق

يواجه عبد الإله بنكيران حرائق من كل جهة، فبينما يسعى رئيس الحكومة جاهدا إلى تلطيف الأجواء بينه وبين الدوائر العليا بعد ردود فعل قيادييه إزاء منع خروج شبيبة الحزب إلى الشارع في طنجة، وامتناعه عن الإدلاء بتصريحات إلى الصحافة، وحثه قيادييه على التحلي بضبط النفس والكف عن الخرجات الإعلامية غير محسوبة العواقب، يواجه دخولا سياسيا صعبا بكل المقاييس تطغى عليه الأزمة الاقتصادية الآخذة في التفاقم، بسبب تراجع المؤشرات الماكروقتصادية بشكل يهدد ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية في مناعة الاقتصاد الوطني وتنافسيته. كما يبقى الإعلان عن تفاصيل المخطط التشريعي للحكومة، في ما يخص مشاريع القوانين التنظيمية المرتبطة بتنزيل الدستور، إضافة إلى تحديد موعد الانتخابات المتوقف على الإعلان عن مشاريع القوانين الانتخابية، رهانا أساسيا يواجه رئيس الحكومة، ويتطلب منه التحلي بالشجاعة السياسية في الدفاع عن تصور أغلبيته لهذه القوانين من جهة و توخي المقاربة التشاركية في التشاور مع المعارضة لأخذ ملاحظاتها في قوانين مصيرية أتى بها الدستور الجديد لتنظيم مجالات حقوقية فريدة وجماعية سترهن البلاد لسنوات من جهة أخرى.
ولعل الخلافات التي تطفو على السطح بين الفينة والأخرى داخل مكونات الأغلبية، والحاجة الماسة إلى ضبط ايقاع الحكومة في مرحلة سياسية واجتماعية دقيقة وحرجة، تفرض على رئيس الحكومة التحلي بقوة الشخصية والمرونة اللازمين لقيادة سفينة الأغلبية التي تعاني ثقوبا شتى تهددها بالغرق، خاصة أن نصيحة الملك لبنكيران، كما سبق للأخير أن صرح بذلك، بأنه على رئيس الحكومة أن يكون «بلاندي» يبقى بنكيران في حاجة ماسة اليوم إلى استلهام دلالاتها ومغازيها العميقة، ذلك أن تصريحاته التي كانت مطبوعة بالثقة والوثوقية عند بداية عمل الحكومة، وكانت توحي كلها بحماسة مفرطة أبداها بنكيران في مواجهة عقبات وضربات قد تعترض طريق حكومته، آخذة في التراجع، وهو الذي كان يعلم جيدا أن الطريق إلى رئاسة الحكومة لن تكون مفروشة أمامه بالورود وأن «مسامير المائدة» كم يقول، قد تبرز في محيطه كما على مستوى خصومه، إلا أنه يبدو أن عدم استبطان رئيس الحكومة لدروس من سبقوه إلى دار المخزن، جعله يبدو أقل مقاومة للضربات التي يتلقاها، فينفعل ويصدر هجوما ضد تماسيح وعفاريت توحي بأنه يقود صراعا ضد نفسه، وهو مأزق يفرض على بنكيران إما الالتفات إلى تدبير شؤون الحكومة وفقا لما أتاحه له الدستور الجديد من صلاحيات التي عكسها ميزان القوى السائد الذي يميل لفائدة الملكية، والكف عن الظهور بمظهر من يصارع لأجل اقتسام الحكم، وهو يعلم جيدا أنه تنازل طوعا عن صلاحية التعيين في مؤسسات عمومية لفائدة الملك، أو قلب الطاولة بتقديم استقالة حكومته ما دام أن جهات في الدولة تعترض طريقه نحوالإصلاح  كما يقول ويتراجع عنذ ذلك في الحين.
الخرجات الإعلامية لبنكيران حولته في نظر البعض إلى «ظاهرة صوتية» أكثر من مصدر لقرارات ومتخذ لمواقف حازمة لا يطبعها التردد، فشعار محاربة الفساد تحول إلى «عفا الله عما سلف»، وتنزيل الدستور صار بيد الملك أولا قبل الحكومة والبرلمان كما يقول، ودفاتر التحملات أعيدت إلى «الهاكا» بتعليمات ملكية، رغم أن إعدادها وعرضها على الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري اختصاص حكومي صرف.
هي جزء من مظاهر الارتباك التي بدت على رئيس الحكومة خلال تسعة أشهر من توليه مهمة قيادة الحكومة، ليظهر جليا أن مخاطبته أحاسيس المغاربة وغرائزهم قد تتحول إلى كابوس، إذ لا يمكن لبنكيران أن يغير ايقاعه الاستعراضي الذي ألفه المغاربة،  كما لا يمكنه أن يبقى بعيدا عن الأضواء أو يستسلم لضغط المسؤولية الحكومية، كما أن من يعرف بنكيران جيدا، يدرك أن الأخير يملك طباع الداعية السياسي أكثر من المدبر لشؤون الدولة، فهو انفعالي اندفاعي لا يقبل النقد، خطيب ومتحدث يصعب إقناعه بالتزام الصمت، لا يطيق أن يمارس السياسة دون أن يجد خصما سياسيا عنيدا، وحتى إن لم يوجد فهو يبحث عنه.

رشيد باحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى