fbpx
افتتاحية

كلام ليل

بعد أيام، سيُطوى النقاش حول التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات، وتعود “حليمات” إلى عاداتهن القديمة في النهب والاختلاس واقتراف أبشع الجرائم والاختلالات في حق المال العام، دون وازع، أو خوف، لأن الجميع، تقريبا، مقتنع بأن ما ينشر سنويا ليس سوى كلام ليل يمحوه النهار.
فنظريا، يعتبر المجلس الأعلى للحسابات كبير “دركيي” مراقبة المالية العمومية، الذي من المفروض أن يكون مجرد ذكر اسمه مدعاة للرهبة لدى مسؤولي القطاعات العمومية وشبه العمومية، ومؤسسات الدولة والجماعات المحلية، ومختلف أجهزة تقرير وتنفيذ الميزانيات العمومية، لكن ما يجري، في الواقع، أن لا أحد يكترث لمرور سنوي لمجموعة من “القضاة” يتفقدون أوراقا، أو يطلبون معلومات وجداول محاسبات، ثم يدونون ملاحظاتهم وتوصياتهم ويرحلون إلى زيارة لاحقة.
في تقرير 2018 وحده، قد نتيهُ في عدد الفضائح والتجاوزات، التي ارتكبها رؤساء جماعات شملتهم حوالي 224 مهمة رقابية، أنجزها قضاة المجالس الجهوية للحسابات، كما نعجزُ عن إحصاء عدد الأخطاء الجسيمة في ميدان الحكامة وسوء التدبير والاستهتار بأموال الشعب، من قبل مديرين ومسؤولين يتقاضون ملايين الدراهم شهريا على شكل رواتب وتعويضات وامتيازات، عن النقل والسفر والمهام، دون أن يؤدوا ما “بذمتهم” للدولة من واجبات.
بصندوق الإيداع والتدبير، أكبر مؤسسة مالية للتصرف في أموال الأجراء والمتقاعدين والأرامل والمحاجير، تعِبَ القضاة من تدوين الملاحظات (نقول الملاحظات تجاوزا لأن الأمر يتعلق بفضائح)، وهو الحال بالنسبة إلى القطاع الفلاحي، والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات والوكالة الوطنية للتأمين الصحي، والمستشفيات العمومية والتأمين الإجباري الأساسي عن المرض، وأكاديميات التربية والتكوين والتعليم العالي والثقافة والاتصال، وقنوات القطب العمومي، والمكتب الشريف للفوسفاط والسجون والطاقة ومراكز تسجيل السيارات.
فلا صوت يعلو على الاختلالات في مؤسسات وقطاعات، من المفروض أن تكون قاطرة للنموذج التنموي المغربي في مجال الحكامة والتدبير، لكن للأسف اكتشف المغاربة أن ما يجري بها، هو الأفظع على الإطلاق، دون أن يطول مسؤوليها سيف القضاء والمتابعة، وحتى السجن، كما كان يجري في السنوات الماضية على الأقل.
فما معنى أن يهدر مجلس للرقابة العمومية للمالية ملايين الدراهم سنويا في عمليات مراقبة وتفتيش (وصلت في 2017 إلى 274 مهمة)، ويصدر آلاف الملاحظات والتوصيات ويدون مئات الصفحات، دون أن يتغير أي شيء في هذه المؤسسات، بل إن مؤسسات تتعامل باستهتار مع هذه التوصيات (رغم لغتها المخففة)، ولا تعمل على تصحيحها، بدليل النسب المتدنية للتنفيذ المعلن عنها سنويا، من قبل المجلس نفسه.
إنه العبث بكل صوره وألوانه أن نترك الحبل على الغارب، ونشجع المختلسين على النهب والاغتناء غير المشروع من أموال الشعب، بل نعطي “شرعية” لهذا النهب، حين يمر قضاة ويدونون مجرد “ملاحظات” ويمضون إلى حال سبيلهم، لتتحول الملاحظات إلى اختلالات وتجاوزات، ثم جرائم، يدفع المغرب ضرائبها من اقتصاده ونموه وسمعته وصورته.
فمن يتساهل اليوم، سيدفع الثمن غدا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق