الدولة جربت منذ الستينات سيلا من الوصفات انتهت كلها إلى الفشل آخرها المخطط الاستعجالي لسبب ما، ظل قطاع التعليم والتربية والتكوين بالمغرب عصيا على الإصلاح، رغم "سيل" الوصفات والمقاربات والعمليات الجراحية الكبرى التي خضع لها منذ 1963، حين قضت ما سمي، آنذاك، إصلاحات المعمورة بإعادة النظر، بشكل جذري، في المبادئ الأربعة التي أقرها إصلاح 1957، لتتوالى، بعد ذلك، مشاريع الإصلاح و"إصلاح الإصلاح" والندوات الوطنية (ندوة إفران الأولى والثانية)، وصولا إلى وصفة البنك الدولي في أواسط التسعينات التي خرج من رحمها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ثم المخطط الاستعجالي 2009/2012 الذي شيعه الملك محمد السادس، أول أمس (الاثنين)، إلى مثواه الأخير. بدأت المحاولات «الحقيقية» لإصلاح التعليم، مباشرة بعد ظهور أولى النتائج الكارثية للتقويم الهيكلي على القطاعات الاجتماعية، وأساسا التعليم الذي عانى فترة تقشف عصيبة، بعد إدراجه، من طرف الدول المانحة، ضمن خارطة القطاعات غير المنتجة. المبادئ الأساسية...دفاعا عن المجانية وفي هذا الصدد، وجه الملك الراحل الحسن الثاني رسالة إلى مجلس النواب بتاريخ 16 يونيو 1994 دعت إلى ضرورة الحوار والتشاور بشأن القضايا التعليمية، تكوين لجنة موسعة تتكون من أعضاء من مجلس النواب، وممثلي الإدارات التعليمية والفعاليات الاجتماعية والاقتصادية والنقابية. ونظمت اللجنة سلسلة من الجلسات خلال الفترة الممتدة من 5 ماي إلى 9 يونيو 1995، واستطاعت إنجاز تقرير مفصل في 25 يونيو1995 يعرف بوثيقة المبادئ الأساسية.وحاولت وثيقة المبادئ الأساسية ملامسة مكمن الخلل في نظامنا التعليمي، وحاولت طرح بعض الحلول الممكنة لتجاوز هذه الوضعية، ففي ديباجة هذه الوثيقة تنطلق اللجنة من اعتبار قضية التعليم ذات طابع إستراتيجي ووطني، وربطت الإصلاح بالمؤسسة لا بالأفراد «يكتسي موضوع التربية والتعليم في عصرنا الحاضر أهمية إستراتيجية، بل ومصيرية في تاريخ الشعوب والدول، ويعتبر قضية وطنية تهم الجميع مما يحتم الحوار والتوافق عليها من خلال مؤسسات قارة ودستورية وقانونية».وأوصت الوثيقة بأن يأخذ النظام التعليمي بعين الاعتبار البعد الكوني للتعليم حقا دستوريا وحقا من حقوق الإنسان، وشرطا أساسيا لتكريس الديمقراطية، وتنمية التربية بروح المساواة، ولزرع القيم التي تؤسس لمجتمع منفتح وديمقراطي، للمساهمة في إعداد الفرد للحياة وتوعيته بحقوقه وواجباته وترسيخ روح الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان».كما حددت اللجنة، منذ البداية، مجموعة من الأسس التي يجب أن ينبني عليها الإصلاح، كما دققت الأهداف والغايات ولخصتها في التعميم والإلزامية والمجانية، وأولت أهمية كبيرة لهذه الأخيرة، إذ يشير التقرير، بوضوح، إلى أن مبدأ المجانية يعتبر نتيجة حتمية للظروف الاقتصادية والاجتماعية لعدد كبير من الأسر المغربية، بالإضافة إلى أن «المجانية تعتبر عنصرا حاسما لاستمرار المدرسة العمومية المغربية، وبخصوص هذا المبدأ لا بد من الإقرار بمسؤولية الدولة في مجانية التعليم».ولعل هذه النقطة الأخيرة الخاصة بالمجانية، وتشديد وثيقة المبادئ الأساسية عليها في عدد من فقراتها، «أغضبت» جهات في الدولة سارعت إلى طلب استشارة البنك الدولي سنة 1995 الذي أصدر أولى توصياته بـ»خوصصة التعليم سيما التعليم الثانوي والعالي، مؤكدا أن «دور الدولة في التعليم يجب أن يتغير حتى تتمكن أنظمته من مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. وقبل سنة 2010 فإن نسبة مهمة من التعليم الثانوي والعالي يجب أن توفرها مؤسسات خاصة». الميثاق...عودة إلى الوراء وفي خضم النقاش السياسي الذي عرفه المغرب بعد تشكيل ما يسمى حكومة التناوب التوافقي، عاد ملف التعليم وإصلاحه إلى الواجهة، لكن على هدي توصيات البنك الدولي الحازمة، وفي هذا الإطار وجهت الدعوة، رسميا، إلى تشكيل اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين التي ضمت33 عضوا: عضوان عن المجالس العلمية، 14 عضوا عن الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، و8 أعضاء عن المركزيات النقابية و9 أعضاء آخرين. وأشرفت اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، التي ترأسها المستشار الملكي الراحل عبد العزيز مزيان بلفقيه، على وضع الخطوط الكبرى للميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي يتوزع على قسمين كبيرين:- القسم الأول: ويضم المبادئ الأساسية المتمثلة في المرتكزات الثابتة والغايات الكبرى وحقوق وواجبات الأطراف والتعبئة الوطنية من أجل إنجاح الإصلاح.- القسم الثاني: يحتوي على مجالات التجديد (178 مادة موزعة على 19 دعامة للتغيير) ويضم الميثاق الكثير من التفاصيل والشعارات غير الدقيقة، كما يركز على الجوانب التقنية وإعادة الهيكلة البيداغوجية ورفع الجودة، والتكوين إلى غيرها من الشعارات التي تكسرت الواحد تلو الآخر على صخرة الواقع. ورغم أهمية مضامين الميثاق والحس التوافقي الذي ميز أشغال اللجنة الخاصة وما انبثق منها من توصيات، لم تخل الوثيقة من ملامح لتوجه الدولة نحو التخلي عن مجانية التعليم، إذ أشار الميثاق إلى أنه «يقتضي تنويع موارد التمويل، إسهام الفاعلين والشركاء في عملية التربية والتكوين من دولة وجماعات محلية ومقاولات وأسر ميسورة». الاستعجال المكلف لكن بعد سنوات من التذبذب والضياع في ترجمة مضامين الميثاق إلى برامج ومقاربات ومشاريع بيداغوجية تعكس مضامنيه وتوجهاته وأهدافه العامة، عادت الدولة إلى تجريب وصفة أخرى، بناء على تقرير جديد للبنك الدولي وآخر لمنظمة اليونسكو، وصدور التقرير الوطني الأول حول المدرسة المغربية وآفاقها سنة 2008.وفي هذا الإطار، دعا الملك محمد السادس، في خطاب افتتاح الدورة الخريفية لسنة 2012،2007، إلى «تسريع وتيرة إصلاح منظومة التربية والتكوين وضعت وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين والبحث العلمي، برنامجا استعجاليا طموحا ومجددا يمتد على مدى أربع سنوات».وحظي البرنامج الاستعجالي 2009/2012، بما يشبه التوافق الوطني، آنذاك، بين جميع فئات المجتمع، إذ حدد المبدأ الجوهري لهذا البرنامج في جعل المتعلم في قلب منظومة التربية والتكوين مع تسخير الدعامات الأخرى لخدمته خطة العمل التي يقترحها هذا البرنامج الاستعجالي. وقد توخى البرنامج تحقيق أهداف تدخل ضمن أربعة مجالات أولية، هي التحقيق الفعلي لإلزامية التمدرس إلى غاية 15 سنة، وحفز روح المبادرة والتفوق في المؤسسات الثانوية وفي الجامعة، ومواجهة الإشكالات الأفقية للمنظومة التربوية، وتوفير وسائل النجاح.وفي وقت كان الرأي العام ينتظر تقييما شاملا للنتائج الحقيقية للبرنامج الاستعجالي في سنته النهائية، أعلنت وزارة التربية الوطنية، قبل أيام أمام مجلس النواب، فشل المخطط الذي كلف ميزانية الدولة 33 مليار درهم خلال أربع سنوات، 2009-2012، ما يمكن أن نستشفه أيضا من الخطاب الملكي لأول أمس (الاثنين)، إذ لم يرد أي ذكر لهذا البرنامج، من بعيد أو قريب. يوسف الساكت