تعديل السياسة الماكرواقتصادية وترشيد الاستثمار العمومي والإسراع بإصلاح القضاء والإدارة وسوق الشغل اعتبر عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، خلال الكلمة التي ألقاها أمام جلالة الملك حول التقرير السنوي للمؤسسة، أن الاختلالات في المالية العمومية تكشف محدودية التوجه المتبع في السياسة الاقتصادية التي تركز أساسا على الطلب الداخلي. وأوضح أن هذا المنهج مكن من تحقيق نمو إجمالي جيد نسبيا، وإرساء نوع من السلم الاجتماعي، لكن المخاطر المتوقعة على مستوى المناخ الدولي والتطورات الإقليمية تقتضي تعديل السياسة الماكرواقتصادية، من أجل ضمان وتيرة نمو سليمة ومستدامة، وذلك من خلال إعادة وضع المالية العمومية على مسار مستدام وتعزيز قدرة الحسابات الخارجية على الاستمرار.وأوصى والي بنك المغرب الحكومة، من أجل تحقيق ذلك، بضرورة تخفيض نسبة النفقات الجارية، مقارنة مع الناتج الداخلي الخام، مؤكدا أن الزيادات القطاعية في الأجور، خلال السنوات الأخيرة، وارتفاع نفقات المقاصة بشكل لم يسبق له مثيل، ساهما بشكل كبير في تدهور الادخار العمومي، ما قلص من الحيز المالي لاستثمارات الدولة. واعتبر الجواهري أن الأولوية، على المدى القصير فيما يتعلق بإصلاح الإدارة، يجب أن تنصب على التحكم في عدد الموظفين، وضبط كتلة الأجور، التي تمثل حاليا 11 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، كما يتعين، حسب الجواهري، وضع سقف لنفقات المقاصة ابتداء من السنة الجارية، بما ينسجم مع الحفاظ على استمرارية توازن المالية العمومية على المدى المتوسط، مضيفا أنه أصبح من الضروري القيام بإصلاح عميق وتدريجي لمنظومة الدعم.من جهة أخرى، أوصى والي بنك المغرب بضرورة ترشيد الاستثمار العمومي وتطوير فعاليته، مؤكدا أن المعطيات تشير إلى أنه لم يكن، مقارنة مع بلدان نامية، منتجا بما يكفي، رغم الدينامية القوية التي شهدها خلال السنوات الأخيرة، من خلال الارتفاع المتواصل للميزانيات التي تخصصها الدولة لهذا الغرض.كما أوصى الحكومة بالإسراع بتنفيذ تدابير من شأنها الحد من العجز البنيوي والمتزايد للميزان التجاري، التي ينبغي أن تركز على مجموع العوامل المؤثرة في تنافسية الاقتصاد، خاصة ما يتعلق بالمعرفة والابتكار والإبداع، كما يتعين الاستفادة بشكل أفضل من ميزات اندماج أكبر للاقتصاد الوطني في محيطه، من خلال التعجيل بالورش المتعلق بالمهن العالمية للمغرب، وإبراز قطاعات جديدة تعتمد بشكل مكثف على التكنولوجيا وتوفر قيمة مضافة، مع العمل على تنويع أسواق التصدير، بدل أن تركز الصادرات المغربية على السوق الأوربي. واعتبر الجواهري، في السياق ذاته، أن من الأفضل، من أجل تحقيق استفادة أكبر من الانفتاح الخارجي، التدرج نحو نظام للصرف أكثر مرونة، ويستدعي هذا الخيار، حسب الجواهري، ملاءمة إطار السياسة النقدية الذي يمكن أن يتطور نحو نظام لاستهداف التضخم إذا توفرت الشروط اللازمة لذلك، خاصة الحفاظ على استمرارية المالية العمومية على المدى المتوسط والتوفر على نظام مالي قوي ومتين. لكن إنجاح هذا التطور في نظام الصرف يقتضي، حسب الجواهري، الاستعداد الجيد من طرف كافة الفاعلين.ولتحقيق النجاح في ظل الظرفية المعولمة، أوصى بالتغلب على العديد من المعيقات الهيكلية التي تزايدت بشكل مهم. وأشار، في هذا الصدد، إلى ضرورة تقليص كلفة عوامل الإنتاج والولوج إليها، وإصلاح النواقص التي تعتري منظومة العدالة، وإصلاحات سوق الشغل والمساطر الإدارية، والمنافسة الداخلية التي ما تزال غير كافية في العديد من القطاعات. وأوضح الجواهري أن صعوبات الإصلاحات ترتبط أحيانا بكيفيات التطبيق، كما هو الحال بالنسبة إلى النظام التربوي، وبوتيرة الإنجاز، في أحيان أخرى، مثل ما هو حاصل في إصلاح القضاء، وبغياب توافق بشأن فحوى الإصلاح، كما هو الحال بخصوص إصلاح الإدارة وسوق الشغل والنظام العقاري.وأكد الجواهري ضرورة مواصلة العمل على تطوير القطاع البنكي، من خلال تعزيز فعاليته وتدعيم قدرته على الصمود، ودعم دور القطاع البنكي في تمويل الاقتصاد، كما يتعين تطوير وتنويع أدوات تمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة والمقاولات الصغيرة جدا، وتحسين العلاقات بين البنوك وزبنائها.واعتبر الجواهري أن إنجاح هذه الإصلاحات يتطلب المشاركة الفعالة والمسؤولة لكل المتدخلين، سواء تعلق الأمر بالحكومة أو البرلمان أو الأحزاب السياسية. عبد الواحد كنفاوي