يا من كان أبوه نفارا... ها رمضان انقضى! يذهب رمضان، ويأتي رمضان، فمن يوقف عجلة الزمان؟ لست فقيها فأتحدث عن فضائل الصوم الروحية والجسدية. فالفقهاء والوعاظ على كل المنابر وفي كل القنوات. ولست طبيبا ولا عالم تغذية فأتعقب فضائل الصيام على الصحة. فأطباء الغرب قبل الشرق صاروا يلحون على ميزاته، وينصحون به الأفراد والجماعات في العالم أجمع، إذ صارت أمراض التخمة والسمنة جائحات العصر المتمدن. لكني كمشتغل بالسرد يمكنني التعامل مع رمضان، باعتباره فترة زمانية في الحياة الشخصية. وبما أننا أمام عنصرين محوريين من عناصر القصة ( الزمان والشخصية) نرى أن الصوم هو الفعل (الحدث) الذي تقوم به شخصية ما (الصائم) في زمان محدد (شهر رمضان)، ولا عبرة بالمكان! نعتبر إذن عالم رمضان عالم قصة. ولما كانت الشخصية محور هذه القصة، كان الزمان المحدد (الشهر) الذي تضطلع فيه الشخصية بالفعل (الصوم) بؤرة القصة. إن اختلاف هذا الشهر عن بقية شهور السنة، يجعله يحظى بقيمة سردية أساسية في حياة الشخصية. وفي كل الأعمال السردية الإنسانية حيث يضطلع الفاعل بفعل مركزي (له آثار إيجابية على المجتمع السردي)، يكون لحقبة زمانية في حياة الشخصية (البطل) دورها في جعلها في هذه الحقبة تستجمع كل المقومات التي توفر لها القدرة على إنجاز دورها البطولي على النحو الأمثل. يسمي محللو السرد هذه الحقبة مرحلة «الاختبار» التي يتزود فيها البطل بما هو في أمس الحاجة إليه من معلومات ومعارف وطاقات استثنائية تمكنه من مواجهة كل الصعاب والعراقيل التي تعترض سبيله على طول مسار القصة، حتى يتمكن في النهاية من تحقيق الحلم السردي.كل المجتمعات تخلق لها مناسبات دينية أو دنيوية تكسر بها رتابة الزمن، وتجعلها محطات خاصة لإعادة تنظيم حياتها في دورة جديدة مستمرة ومتواصلة. فالأعياد الدينية والفلاحية، والاحتفالات التي تقيمها الأسر والعائلات والقبائل، كلها مناسبات توقِّت بها المجتمعات لحظات الخروج من الزمن اليومي إلى الزمن الذي تنتظره مدة من الزمن لإحياء طقوس وشعائر تتصل بالحياة التي أوقفتها الرتابة وشظف العيش والحرص على تحقيق متطلبات الحياة: فيكون الفرح والضحك وصلة الرحم واجتماع العائلة وأفراد القبيلة. لذلك تتعدد هذه المناسبات بحسب الثقافات وضرورات الحياة. وفي المجتمعات الغربية نجد، اليوم، تكالبا على خلق مثل هذه المناسبات، بعد أن خف الاهتمام بالمناسبات التقليدية والدينية، باستثناء أعياد الميلاد السنوية، وبات البحث، من خلال إحياء «الأيام» الخاصة بأشياء لها رمزيتها في الحياة، عن مثل تلك المناسبات للغايات المشار إليها. لكن يلمس المتتبع أنها صارت مناسبات «تجارية» تسهر الآلة الاقتصادية ومروجو البضائع على إحيائها، وبذلك تقلصت أبعادها الاحتفالية والرمزية، وإن ظلت بعض مقوماتها حاضرة.أوجد الإسلام للمسلمين مناسبتين كبيرتين للاحتفال، وربط كلا منهما بطقس يتصل بركن من أركانه: العيد الصغير (الفطر) وربطه بشعيرة الصوم خلال شهر كامل (رمضان). والعيد الكبير (الأضحى) وربطه بطقس الحج في شهر ذي الحجة. لقد جعل الإسلام هذين العيدين تتويجا لطقسي الصوم والحج. وأعطى للطقسين خصوصيات تميزهما عن بقية أركان الإسلام، بجعله جزاء ممارستهما على النحو الأمثل: مغفرة الذنوب السابقة، أي التطهير. إذا ركزنا على رمضان، نجده ينهض على أساس الإقلاع عن الشهوات المختلفة، من طلوع الشمس إلى غروبها. ومعنى ذلك الخروج على ما اعتاد عليه المسلم في حياته العامة. فصومه عن الشهوات هو في الوقت ذاته إقلاع عن كل ما يتصل بهما من أقوال وأفعال مَشينة يمارسها في الحياة الاجتماعية العادية: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ".عندما نتأمل رمضان في أبعاده المختلفة نجده مناسبة زمانية للتوقف لتغيير الذات، والارتقاء بها إلى مستوى أحسن. إن اتخاذ شهر كامل لممارسة طقس الصوم كفيل بإحداث هذا التغيير، لأنه يجعل الفرد يتحكم في سلوكه، ويغير الكثير من عاداته التي يمارسها خلال باقي شهور السنة. وما يعضد هذه الوظيفة، والقائمة على تكسير رتابة الحياة، هو اعتماد التقويم القمري القائم بدوره على التحول والتغير بالقياس إلى التقويم الشمسي. ولذلك نجد رمضان يدور دورته على عكس الشهور الشمسية الثابتة حسب الفصول. ولا يلتقي شهر رمضان مع أي شهر شمسي إلا بعد مرور حوالي ثلاث وثلاثين سنة وبضعة أيام. جاء الإسلام ليعطي قيمة للفرد التي سلبها عنه المجتمع القبلي. فالفرد كان يستمد قيمته من الموقع الذي يحتله داخل القبيلة، وليست له أي قيمة في ذاته. وبإعطاء الإسلام الفرد قيمة خاصة، جعله مسؤولا عن فرديته وذاتيته وشخصيته ومصيره: "كل امرئ بما كسب رهين". وخلق له المناسبات، تلو المناسبات، التي تؤهله، بين الفينة والأخرى، لامتلاك فرديته أو استردادها وتطوير ذاتيته والارتقاء بشخصيته، على اعتبار أن ذلك يسهم في تمتين عرى العلاقات بين الناس، بغض النظر عن انتماءاتهم أو أعراقهم أو أنسابهم، ويجعل الحياة العامة قائمة على الصلاح لا الفساد. ولما كان الصيام موجها إلى كل فرد تتوفر فيه شروط الرشد والعقل، كان الهدف منه تهذيب السلوك الفردي وتطهيره، ومن ثمة بناء العلاقات الاجتماعية على أسس قويمة.تسعى الأديان والفلسفات وعلوم التربية ونظريات تنمية الذات وتطويرها إلى الارتقاء بالفرد ليس فقط من الحياة الطبيعية، ولكن أيضا من الطبيعة الاجتماعية المنحطة إلى الحياة الاجتماعية الأرقى. ولذلك، فخلق مناسبات التطهير في الإسلام جاء لتذكير الفرد بإنسانيته وتربيته على استعادتها، أو الارتقاء بها، بعد أن سلبتها منه رتابة الحياة والعادات التي تفرض عليه إكراهات متعددة ومتنوعة.شهر رمضان، شهر الاختبار الفردي. إنه يسعى إلى اكتشاف الفرد لذاته وتطويرها إلى شخصية لها مقوماتها المائزة، هل أقول لها أسطورتها الشخصية التي تعمل على تحقيقها في الحياة؟ لكن الاختبار، أي اختبار صعب للغاية. فمن من الأفراد يمكنه أن يكون عرضة للاختبار؟ ليست كل الشخصيات في العالم السردي أهلا لدور البطولة. فهناك البطل الزائف والبطل الحقيقي. ليست البطولة الزائفة سوى ادعاء أقوال، أما البطولة الحقيقية فاختبار قاس يتعرف فيه الفرد على ذاته، فيؤدي به ذلك إلى اكتشاف شخصيته، والعمل على تطويرها لتتحول إلى فاعل قادر، من خلال الإرادة والمعرفة، على الانتقال إلى دور العامل الذي يمكنه من مواجهة كل العوامل المعيقة لتحقيق أسطورته الشخصية والتغلب عليها.في إحدى قصص الليالي، علَّم الساحرُ المغربي جودرَ بن التاجر عمر، وبيَّن له كيفية الدخول إلى الكنز. لكن جودرا أخفق في الاختبار بسبب تعرضه للإغواء الأخير، فطرد من الكنز شر طردة. وكان عليه انتظار عام كامل لمعاودة تجربة الاختبار مرة أخرى، فاستفاد من دروس الاختبار الأول، ونجح في الأخير ليكون بطل القصة بامتياز.مناسبات تغيير الفرد نفسه لا حصر لها. كما أن مناسبات تغيير المجتمعات ذاتها لا عد لها. وأمام الفرد والمجتمع مناسبات يمكن أن يخلقاها للتغيير الذاتي. خيارات لا تعد ولا تحصى للانتقال من وضع إلى آخر. "فمن شاء فليومن، ومن شاء فليكفر"، ومن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر. لكن أمام أي اختبار مسؤولية في اتخاذ القرار واختيار. و"اختيار المرء دليل على عقل المختار".