fbpx
افتتاحية

استقالة

سيكون من أفضل القرارات، التي يمكن أن يتخذها وزير الصحة في مساره المهني “القصير”، أن يحرر رسالة استقالة ويضعها فوق مكتب رئيس الحكومة في أقرب وقت ممكن، حفاظا على ما تبقى (في وجهه) من ماء ودم.
لقد حان وقت الرحيل، الآن وهنا، بالنسبة إلى مسؤول حكومي، لم نخطئ، ومعنا الكثيرون، حين قلنا منذ البداية إن القطاع هو الثاني بعد منظومة التعليم والتربية، هو أكبر من إمكانياته وكفاءته وخبرته التي لم تتجاوز مجال الوساطة في مجال التشغيل، مع بعض الدروس القليلة التي ألقاها بكليات الطب في تخصص “جانبي” حول الكيمياء التحليلية.
الرحيل يمثل، اليوم، نصف الحل لقطاع يقترب من حافة الإفلاس، إذ لا نبالغ إذا اعتقدنا أن المغرب يعيش اليوم خارج أي منظومة صحية، بل لا توجد “صحة” من الأساس في عدد من المراكز الاستشفائية الجامعية والمستشفيات الجهوية والإقليمية والمراكز الصحية، التي تحولت إلى خرب تنقع فيها الغربان، وفي أحسن الأحوال إلى غرف تسجيل في انتظار وصول ملاك الموت.
قطاع لم يهجره المرضى فقط إلى المصحات الخاصة (على علات الكثير منها)، وإلى الطب البديل والتداوي بالأعشاب والرقية!!، بل غادره مئات الأطباء والممرضون والتقنيون الذين أيقنوا أنهم يصبون الماء في قعر من الرمال دون فائدة، في ظل سوء الحكامة وفشل ذريع في التدبير، رغم الإمكانيات المالية الهائلة، التي استفادت منها الصحة في السنوات الأخيرة، وارتفاع الاعتمادات والمناصب المالية المخصصة لها.
إن الوضع أكثر من سيئ على جميع المستويات، بعد أن اكتفى الوزير و”فريقه الاستشاري والعلمي” باستنساخ رؤية إستراتيجية ووضعها على الموقع الرسمي للوزارة، دون تفعيل أي من بنودها، بل فشل في الحفاظ على المكتسبات السابقة، إذ اقترب المغرب كثيرا من المعدلات العالمية في تحسين مؤشرات الولوج إلى العلاجات ورفع نسبة التغطية من الموارد البشرية والأدوية وتطور نسبة المنخرطين في نظام “راميد”، قبل أن يتهاوى كل شيء ويتدحرج المغرب في ذيل الترتيب الدولي، في مجال الرعاية الصحية (الرتبة 89 من أصل 89 دولة).
ولم يحرك هذا الترتيب المخزي شعرة لدى مسؤولي الوزارة الذين يتمتعون بعطلتهم السنوية، كما لم يتحركوا، حين دق عدد من المواطنين ناقوس الخطر بسبب الاختفاء/اللغز لدواء (لا غنى عنه) بالنسبة إلى مرضى داء الغدة الدرقية المزمن، إذ يساوي الانقطاع عن تناول هذا الدواء، في مواعد محددة، الموت الحتمي.
ورغم خطر الموت، الذي يتربص بمئات من المرضى، لم يصدر عن الوزير إلى حد الآن أي تطمين (من موقعه مسؤولا أول عن الصحة) إلى المواطنين، بل ترك الأمر لبعض شركات تصنيع الأدوية تتاجر فيهم كيفما تشاء وبالطريقة التي تشاء، في موقف يطرح أكثر من علامة استفهام.
أوضاع تزداد سوءا على جميع المستويات، ولم تعد فقط حديث الشارع والمواطنين والرأي العام، بل أضحت هاجسا حكوميا، بعد أن دق أكثر من وزير، في تصريحات وتقارير رسمية، ناقوس الخطر قصد استدراك ما يمكن استدراكه.
إن صحة المواطنين ليست ترفا، بل توجد في صلب النموذج التنموي.
فلا تنمية مع شعب مريض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق