بانوراما

يهود مكناس يطالبون السلطان بتوسيع الملاح

وثائق من ذاكرة مكناس 6
يتوفر أرشيف جماعة مكناس على وثائق هامة من تاريخ المغرب الحديث، تهم أحداثا ووقائع زيارات لمسؤولين في حركة المقاومة وجيش التحرير، ومواقف وتقارير أمنية وقصاصات إعلامية تغطي فترة من الصراع السياسي الذي عاشه المغرب خلال فترة ما بعد الاستقلال، خاصة في منطقة مكناس وضواحيها. ونظرا لأهمية ما تختزنه ذاكرة جماعة مكناس من وثائق، فقد حرص جامع بيضا، مدير مؤسسة أرشيف المغرب، على توقيع اتفاقية شراكة مع الجماعة، من أجل حفظ الذاكرة، واستثمار الرصيد الهام من الوثائق التي تتوفر عليها خزانة البلدية. التقت “الصباح” رشيد بوجية، رئيس قسم الشؤون الثقافية والاجتماعية والرياضية بالجماعة، وأحد الباحثين المولعين بجمع الوثائق التاريخية، والتنقيب في الأرشيفات التي تتوفر عليها الجماعة، واختارت الكشف عن بعض النماذج من الوثائق التي يحتفظ بها…
إعداد: برحو بوزياني
طالبوا مولاي يوسف بفتح تحقيق في ظروف إقامتهم الصعبة وشروط استغلالهم الفاضح
بادر يهود مكناس بعد تدهور وضعية الملاح القديم بمكناس، الذي كان يقطنه أكثر من ستة آلاف يهودي إلى التحرك من أجل التدخل وتصحيح أوضاع مواطنين يعيشون في ظروف صعبة داخل مساحة 17 ألف متر مربع، محاطة بسور ومقبرة عبرية، وسط انتشار الأزبال والقاذورات ومجاري المياه على السطح بمختلف أزقته وشوارعه.
وتفيد تقارير لمصالح الوقاية البلدية في 19 يوليوز 1921، أن الوضعية أصبحت تتطلب تدخلا عاجلا من أجل توسيع الملاح، للتخفيف من حدة المشاكل وانتشار بعض الأمراض، والتي اضطرت بيومرو، المسؤول العسكري عن الجهة إلى توجيه رسالة إلى البنكي «ماس» مؤرخة بتاريخ 15 دجنبر 1921، يعلن فيها رغبته في توسيع الملاح في اتجاه بريمة، أو في اتجاه باب الخميس، مشيرا إلى أن البلدية تحملت قسطا من مصاريف تجهيز تجزئة «الملاح الجديد» ، أو ما يعرف الآن بالرياض. وقد طرحت العديد من المشاكل أهمها ملكية الأرض التي كانت تدخل ضمن الأراضي المخزنية ومشاكل تتعلق بحق الرتبة زيادة على دخولها ضمن الأراضي الممنوعة من البناء لوجودها بمنطقة عسكرية كان لابد من إصدار العديد من القرارات.
واستغل يهود مكناس مناسبة زيارة السلطان مولاي يوسف إلى المدينة، لتدشين خط سككي يربط فاس بالرباط، من أجل رفع تظلم يحمل أزيد من 3000 توقيع، جريا على عادات آبائهم وأجدادهم، وراسلوا السلطان برسالة توضح حالتهم المعيشية، نشرت مضامينها في بعض الصحف الوطنية.
وحسب بعض الوثائق، قام يهود المدينة بقداس، وذبحوا ثلاثة رؤوس من الأبقار، من أجل استعطاف السلطان، وإثارة انتباهه إلى الأوضاع السيئة التي يعيشون فيها داخل الملاح.
وتعهد السلطان بالإسراع في إخراج الملاح الجديد إلى الوجود، خصوصا أن الاستعطاف جاء من الفقراء والحرفيين البسطاء، كما توضح الرسالة. وقد تم الشروع في المساطر لتنفيذ التصاميم التي وقعها بروست في 1922، معلنا بداية الملاح الجديد لمدينة مكناس.
وأوضحت الرسالة أن اهتمامهم بهذا الموضوع، لم يكن حديثا، إذ سبق لهم أن طالبوا بتوسيع الملاح، ولم ينتظروا حتى تطرح قضية «ماس»، والتي يشير فيها إلى اهتمام اليهود، وهو قول خاطئ.
وبالعودة إلى سلسلة «صدى مكناس»، يمكن العثورعلى بعض المقترحات التي سبق لليهود المكناسيين أن تقدموا بها بشأن توسيع حي اليهود المطل على طريق الرباط، باعتبارها امتدادا لشارع اليوطي.
وبخلاف ما يظنه البعض، فإننا، تقول الرسالة، «سنواصل العمل وعدم ترك حوالي ستة آلاف مواطن مكدسين في تجمع ضيق، وفي ظروف غير سليمة، وفي بيوت يتقاسمها الأبناء والأب والأم في ظروف غير صحية وغير أخلاقية».
وجدد اليهود تشبثهم بتوسيع الملاح سواء على أراضي «ماس» أو فوق أراض أخرى، فالأمر لا يهم، لأن الأساسي بالنسبة إليهم هو ليس ما يعتقده الناس، والذين يثبتون بما يرددونه، أنهم أصحاب عقلية فقيرة.
وطالبت الطائفة اليهودية وعموم السكان الفقراء والعاملون بالملاح السلطات مولاي يوسف، بالالتفات إليهم بعين الرضى، من خلال عرض الوضعية المزرية التي يعيشونها ، داخل ملاح ضيق وغير نظيف لا يصلح للسكن، والذي يستغله بعض الملاك الأغنياء الذين يقسمون الشقق ويقومون بكرائها بأسعار باهظة ، رغم افتقارها لظروف الصحة والتي لا يمكن وصفها.
وتحدثت الرسالة عن عيش ثلاث أو أربع عائلات في غرفة واحدة بأزيد من ثمانية أوعشرة أفراد، حيث يتعايش الأب مع أبنائه المتزوجين، تحت سقف واحد، وهو ما لا تسمح به أي ديانة.
وطالب اليهود السلطان بفتح تحقيق من أجل التأكد من استغلالهم الفاضح، حيث يؤدون مقابل غرفة واحدة ما يعادل 120 «دورو» ، في الوقت الذي كانوا يكترونها، في وقت سابق بعشرة فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق