fbpx
افتتاحية

المقلاع

أنجزت وزارة الداخلية، بداية غشت الجاري، حركة انتقالية همت 895 رجل سلطة، يمثلون حوالي 20 في المائة من مجموع أفراد هذه الهيأة العاملين بالإدارة الترابية.
وقبل وزارة الداخلية، نقلت إدارة الجمارك حوالي 500 تقني وإداري وعون سيلتحقون، في شتنبر، بمواقعهم الجديدة، بعد شهر من حركة مماثلة في صفوف أطر مديرية الأمن وقضاة.
وما زلنا نعتقد أن الغاية الأسمى من عمليات “التحريك” المنتظمة لأطر الإدارة الترابية والمركزية والمسؤولين والمديرين الكبار للمؤسسات والمكاتب والإدارات العمومية ومسؤولي الإدارة الأمنية والجمارك والضرائب والقضاة، ضخ دماء جديدة والقطع مع أسلوب “الكرسي الدافئ”، لكن الطريقة التي تتم بها العملية، كل سنة، تنطوي على كثير من الحيف والظلم، يدفع ثمنها “الصغار” فقط، فيما يفلت “الكبار” من المحاسبة المرتبطة بالمسؤولية.
وحاولت وزارة الداخلية، لأول مرة، إعطاء مبررات لأضخم حركة في صفوف رجال السلطة في السنوات الأخيرة، حين أدرجتها في سياق التوجيهات الملكية الجديدة، الداعية إلى “تدشين مسار الانتقال المتدرج، من نموذج للوظيفة العمومية قائم على تدبير المسارات، إلى نموذج جديد مبني على تدبير الكفاءات”.
لكن ذلك، لم يقنع عشرات رجال السلطة، مثلهم مثل باقي الموظفين في إدارات عمومية أخرى، والذين مازالوا يعتقدون أن هناك طرقا أخرى لتدبير الكفاءات والحصول على مردودية جيدة، بعيدا عن منطق “المقلاع”.
والواقع أن المغرب من الدول القليلة التي مازالت تعتمد على مقاربة “التطواع”، دون استشارة المعنيين بالأمر، إذ قطع عدد من الدول مع الانتقالات التعسفية تحت أي مبرر، تاركة للموظف حرية اختيار المدينة والمكان، اللذين يشعر أنهما يوفران له راحة نفسية وحدا معقولا من الاستقرار الاجتماعي المحفز على العطاء.
ولا يمكن تحريك الموظف، في هذه الحالة، إلا بطلب خطي منه يودع لدى مسؤوليه المباشرين، الذين يقررون في شأنه وفق معايير ومساطر واضحة، مع الحرص على ضمان حقوقه المهنية كاملة. أما الحالة الثانية التي ينقل فيها الموظف، فتندرج ضمن مسطرة التأديب إذا اقتنع رؤساؤه أنه ارتكب خطأ جسيما يستوجب عقوبة.
أكثر من ذلك، فإن منطق الانتقالات الممركزة، التي تتم من أعلى مستويات القرار الوزاري والقطاعي، يبقي مشروع الجهوية الموسعة مجرد حلم بعيد المنال، إذ مازالت هذه المنظومة الترابية، التي تشكل ركنا من النموذج التنموي، معطلة في ما يتعلق بتدبير الموارد البشرية وضبط آليات تحديد الكفاءات وتقدير الحاجيات، بناء على خارطة واضحة من الموظفين العموميين في جميع المجالات.
إن هذا المنطق لا يعزل الحركات الانتقالية عن سياقها الوطني والجهوي والتنموي العام فحسب ، بل يساهم في خلق كتلة من رجال السلطة والموظفين الحانقين، الذين يبادلون التعسف بالتراخي في العمل وخفض إيقاع المردودية، نوعا من الانتقام المضاد.
انتقام يكون فيه الوطن الخاسر الأكبر، في نهاية المطاف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق