ملف الصباح

أولاد “الهاي كلاس” يحاولون الاندماج في المجتمع

يرتادون الأماكن الشعبية ويشاركون في الحياة العامة بعدما كانوا يؤثرون الانعزال مع أبناء طبقتهم

ولت سنوات كان أثرياء البلد يرغمون خلالها أبناءهم على مقاطعة كل من لا يمت إلى طبقتهم بصلة، حينما كانوا يصدرون تعليماتهم إلى السائق الخصوصي بالحرص على ألا يزيغ أبناؤهم عن مسار يرسمونه لهم بدقة بالغة: من المنزل إلى إحدى مدارس البعثات الخاصة، حيث لا يتلقون تعليما فرنسيا أو إسبانيا قحا فحسب، وإنما يتشبعون بثقافة وقيم وعادات مغايرة. وطبعا لأننا نتحدث عن عائلات ميسورة، فهناك دائما وقت للترفيه والتسلية، شريطة أن يظل حكرا على أبناء الفئة ذاتها، يجتمعون في فيلا أحدهم وينظمون رحلات جماعية إلى أحد بلدان أوربا.
أبناء “الهاي كلاس”، مصرون اليوم على الانصهار في المجتمع واحتلال موطنهم في فسيفساء مجتمعية ترحب بجميع الفئات، وتسعى جاهدة لتلبية متطلبات كل منها. هم اليوم يحتكون بأبناء الشعب، يرتادون، وإن بوتيرة بطيئة، أماكن عمومية، ظلت إلى زمن قريب، ممنوعة عليهم وتدخل في خانة المحظور، يقبلون على قاعات السينما، طبعا تلك التي تتوافق مع وضعيتهم الاجتماعية وتتناسب مع الطبقة القادمين منها، يلجون المطاعم، ويخالطون أبناء طبقات وضعها المجتمع في مرتبة أدنى في سلم ترتيباته، يشاركون أبناء الشعب فرحاتهم ونكساتهم في مباراة للفريق الوطني لكرة القدم، ويرقصون جنبا إلى جنبا على أنغام الموسيقى المنبعثة من المهرجانات التي تصدح بها كبريات المدن، سيما عندما يتعلق الأمر بأحد الفرق الشبابية التي تقدم لونا موسيقيا ينسجم مع “هويتهم الفنية”، يشاركون في تظاهرات يرون أنها تساند أو تناهض مبدأ متشبثين به.
ورغم أن الدراسات والأبحاث السوسيولوجية أكدت أن هذه الفئة من الشباب، تكون لهم رغبة أقوى من أجل الانتقال إلى الحياة في المجتمع الذي أتقنوا لغته وتشبعوا بقيمه، وتقوت ارتباطاتهم به وبمواطنيه، خاصة بعدما تهيأت لهم الظروف من أجل الانتقال إلى البلد الآخر، إما لاستكمال الدراسة والتكوين، ومن بعد الاستقرار النهائي به، أو من أجل إشباع رغبتهم في الحياة في مجتمع، تقول الدراسات ذاتها إنهم أصبحوا مقتنعين بأنه هو المجتمع الذي يجب الاستقرار به، والعيش وفق قيمه وثقافته ونمط عيش سكانه، ويصرون هم على إثبات العكس والإبحار ضد هذا التيار، ويحاولون المشاركة قدر المستطاع في الحياة العامة.  
ولأن الذين يؤثرون في المجتمعات، تأثيرا إيجابيا أو سلبيا هم الفاعلون الحقيقيون في ميادين الفكر والسياسة والاقتصاد، سعى شباب أثرياء المغرب، لأنهم يملكون العلم والجاه والسلطة إلى لعب دور أهم من أن يظلوا “des fils à papa” وعملوا على الانخراط الفعلي في الحياة السياسية قبل الاقتصادية.لا ضير في أن تكون لهذه الفئة نمط مختلف في العيش والحياة، وأن يتبنوا قيما ثقافية واجتماعية مختلفة، فهم أولا وأخيرا مواطنون مغاربة، يحبون وطنهم ويبدون تعلقهم به ومتشبثون بالدفاع عن قضاياه وقضاياهم في آن واحد.

هجر المغلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق