fbpx
افتتاحية

المحاسبة والانتقاء

نتوقع، في الأيام المقبلة، سقوط رؤساء جماعات جدد وموظفين ومهندسين وأصحاب مقاولات ومكاتب دراسات وتقنيين وردت صفاتهم في تقارير المجالس الجهوية للحسابات والمفتشية العامة للإدارة الترابية والمفتشية العامة للمالية، وغيرها من هيآت الرقابة، التي تنجز مهام افتحاص دورية تصدر عنها تقارير.
ويعتبر عمل هذه الهيآت ضروريا لمواكبة عمل الجماعات الترابية (مجالس جهات ومجالس عمالات وأقاليم ومجالس محلية) ومراقبة أوجه صرف ملايير الدراهم المرصودة لها من الميزانية العامة، أو المتحصل عليها عن طريق الرسوم والضرائب المحلية، ورصد مظاهر التقصير والتجاوز في تطبيق القوانين الجاري بها العمل، خصوصا في المجالات التي لها علاقة بتدبير المرفق العام والممتلكات والإدارة والمشاريع المدرجة في مخططات التنمية وبرامج العمل.
ولا يختلف اثنان على أهمية هذه التقارير، التي يشرف عليها خبراء في المالية والمحاسبة وقضاة مكونون في تخصصات مختلفة، في الوقوف على عدد من الاختلالات والتجاوزات، التي تقع بحسن نية أو غيرها، ثم حالات الاختلاس والغش والتزوير والتواطؤ بين رؤساء جماعات ومقاولات وشركات لتحريف مسار المال العام إلى الجيوب والحسابات البنكية الشخصية، وهي الحالات التي يعرض بعضها، اليوم، على قضاء جرائم الأموال.
وإذا جاز لنا أن نضع عمل هيآت الرقابة المالية والإدارية في إطار المبدأ الدستوري العام لربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي بدأ يعطي مفعوله في عدد من القطاعات والمدن والمشاريع (نموذج مخطط تنمية الحسيمة)، فإن المحاسبة الحقيقية لا يمكن أن نفهمها إلا في إطار تحديد المسؤوليات والتدقيق في تراتبيتها، بعيدا عن الانتقاء وتصفية الحسابات ومنطق تقديم “القرابين” وأكباش الفداء.
وفي حالة الجماعات الترابية، مثلا، فإن جميع القوانين والمواثيق الجماعية المنظمة لهذا المجال، تمنح مسؤولية ظاهرة لرجال وزارة الداخلية ولولاتها وعمالها الذين لا يمكن أن يتحرك كأس في منطقة نفوذهم دون أن يكون ذلك في علمهم ويتوصلون بتقارير حوله، وما بالك بمشاريع وبرامج مؤطرة بصفقات عمومية وطلبات عروض ويصرف فيها مال عام.
إن مسؤولة جهات الرقابة القبلية والبعدية في الجماعات الترابية قائمة، ما يتطلب إعمال مبدأ المحاسبة على قدم المساواة بين الجميع، واستدعاء جميع الأطراف للتحقيق أو المحاكمات، التي لها علاقة بمظاهر التبذير والاختلاسات والتحريف والاغتناء غير المشروع، الذي بدأ يظهر على كثير من المشبوهين دون أن يطولهم سيف “سين وجيم”.
فمنذ إقرار المفهوم الجديد للسلطة في بدايات عهد الملك محمد السادس وما تلاه من إصلاحات جوهرية خلال 20 سنة الماضية، مست طبيعة العمل الترابي في جميع تجلياته الإدارية والقانونية والإجرائية، لم يعد أحد فوق القانون وآخر تحته، الكل سواسية أمام المحاسبة التي لا يمكن أن تستقيم إلا بوضع كل واحد أمام المسؤولية الملقاة على عاتقه، التي يتقاضى بشأنها راتبا شهريا وتعويضات وامتيازات.
إن الولاة والعمال جزء لا يتجرأ من تدبير المجال الترابي، بل يقوم بعضهم في عدد من المدن والقرى مقام رؤساء الجماعات ويقررون في كل شيء تقريبا، بدءا من جدول أعمال الدورات والمداخيل والحسابات والمصاريف وبرمجة المشاريع وتنفيذها وتسلمها.
فبأي حق يُستثنون من تقديم الحساب؟
ماشي عيب!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق