fbpx
افتتاحية

“الحصْلة”

أزاح العثماني عن كاهله حملا ثقيلا استشعره أغلب من تابعوا جلسات مجلسي البرلمان، وهو يدافع عن حصيلة “متلعثمة” غارقة في الأرقام والإحصائيات والنسب، افتقدت روح السياسة ومعناها ومبناها أيضا.
فخلال عدة لقاءات، تحول رئيس الحكومة إلى “إنسان آلي” يتلو على مسامع برلمانيين، منهكين بأجواء رمضان، حزما كبيرة من الأوراق والتقارير والبيانات، وجد صعوبة في تلاوة أغلب فقراتها وأرقامها على الوجه الصحيح، أولا، لعدم إلمامه بعدد من الملفات القطاعية التي تتطلب متابعة وحنكة وخبرة كبيرة، وثانيا بسبب التعب الذي أسقطه في “زلات لسان”، تحولت إلى موضوع سخرية في مواقع التواصل الاجتماعي.
فعلى امتداد أيام، أحس المواطنون الذين تابعوا تقديم حصيلة نصف الولاية الحكومية، على قلتهم، أن الرجل يؤدي واجبا ملزما بنص الدستور الذي يفرض في فصله 101 على رئيس الحكومة عدم الاكتفاء بتصويت البرلمان على البرنامج الحكومي، بل استتباع ذلك بتقديم حصيلة أمام ممثلي الأمة.
والحال أن الطريقة التي فضل رئيس الحكومة تقديم حصيلته بها، أفرغت هذه اللحظة الديمقراطية الأساسية وهذا التمرين في التواصل مع البرلمانيين والرأي العام الوطني من محتواه، وحولت الموضوع برمته إلى ما يشبه مسرحية هزلية، أدى فيها العثماني الدور الرئيسي، وبرلمانيو الأغلبية دور “الكومبارس” المكلفين بالتصفيق، في غياب شبه تام للجمهور.
ففي أغلب الدول التي تتبنى نظام الديمقراطية البرلمانية الاجتماعية، يعتبر تقديم الحصيلة الحكومية لحظة نقاش كبير في المنتديات والندوات ووسائل الإعلام العمومي والخاص والوسائط الاجتماعية، لقياس أثر النتائج المعلن عنها مع الواقع المعيشي لفئات المجتمع، لأنه لا معنى من وقوف مسؤول حكومي أمام الشعب لعرض منجزاته، دون أن يحس هذا الشعب أنها تعنيه بالدرجة الأولى.
أما في المغرب، فلا تجد الحكومة أي حرج في أن تكون حصيلتها في واد، واهتمامات المواطنين وأولوياتهم في واد آخر، بدليل ارتفاع وتيرة المطالب الاجتماعية في الشارع واستمرار حركات الاحتجاج محليا وجهويا ووطنيا لحمل المسؤولين على تنفيذ برامجهم وتنزيل وعودهم الانتخابية إلى أرض الواقع.
فلا يمكن للمواطنين أن يثقوا في حكومة سياسية منبثقة عن صناديق الاقتراع تغطي على أعطابها وخيباتها بسيل من الأرقام والنسب والإحصائيات الباردة، التي يمكن لأي تقنقراطي أن يقدم أحسن منها بتقنية “باوربوينت” عالية الجودة.
فما معنى أن يفتخر رئيس حكومة (على سبيل المثال لا الحصر)، بمنجزات قطاع صحي يعرف أكثر من غيره أنه وصل إلى حالة الشلل الكلي، ويفضل المرضى الموت في منازلهم على جحيم مستشفيات عمومية أقرب إلى “المزابل” ومصحات خاصة أشبه بمجازر؟
وما معنى أن يعتبر رفع عدد بطائق “راميد” إنجازا؟ علما أن ارتفاع عدد المستفيدين من الخدمات الطبية المجانية، يعني ارتفاع الفئات الهشة والفقيرة والمعدمة والمعوزة، التي من المفروض أن الحكومة جاءت لتقليص عددها، لا الافتخار بالزيادة فيها!
ثم ما معنى أن يبتسم رئيس الحكومة أمام الكاميرات، منتشيا بـ”حصيلته” في التعليم والتشغيل والتكوين والإقلاع الاقتصادي والتنمية القروية والمجالية، وهو يعرف أكثر من غيره أن ما قدمه مجرد “شهادة زور” لا علاقة لها بالحقيقة؟
للأسف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى